الخطيب الشربيني

6

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وثالثها احتمال اللفظ لمعان مختلفة ، كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام ، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه . وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السهو والغلط ، أو تكرار الشيء ، أو حذف المهم وغير ذلك ، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك . وإذا تقرر هذا فنقول : إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن فصحاء العرب ، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه ، أما دقائق باطنه فإنما كانت تظهر لهم بعد البحث والنظر ، مع سؤالهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الأكثر ، كسؤالهم لما نزل : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [ الأنعام : 82 ] فقالوا : وأينا لم يظلم نفسه ؟ ففسره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالشرك ، واستدل عليه ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . وغير ذلك مما سألوا عنه عليه الصلاة والسّلام . ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه ، مع أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم ، فنحن أشد احتياجا إلى التفسير . وأما شرفه فلا يخفى ، قال اللّه تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] . وقال الأصبهاني شرفه من وجوه : أحدهما من جهة الموضوع ، فإن موضوعه كلام اللّه تعالى الذي ينبوع كل حكمة ومعدن كل فضيلة . وثانيها من جهة الغرض ، فإن الغرض منه الاعتصام بالعروة الوثقى ، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي الغاية القصوى . وثالثها من جهة شدة الحاجة ، فإن كل كمال ديني أو دنيوي مفتقر إلى العلوم الشرعية ، والمعارف الدينية ، وهي متوقفة على العلم بكتاب اللّه تعالى . فائدة : اختلف الناس في تفسير القرآن ، هل يجوز لكل أحد الخوض فيه ؟ فقال قوم : لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن ، وإن عالما أديبا متسعا في معرفة الأدلة ، والفقه ، والنحو ، والأخبار ، والآثار ، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك . ومنهم من قال : يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها ، وهي خمسة عشر علما : اللغة والنحو ، والتصريف والاشتقاق ، والمعاني والبيان والبديع ، وعلم القراءات لأنه يعرف به كيفية النطق بالقرآن ، وبالقراءات يرجح بعض الوجوه المحتملة على بعض ، وأصول الدين ، أي الكلام ، وأصول الفقه ، وأسباب النزول ، والقصص إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه ، والناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره ، والفقه والأحاديث المبينة لتفسير المبهم ، والمجمل وعلم الموهبة ، وهو علم يورثه اللّه تعالى لمن عمل بما علم ، وإليه الإشارة بحديث : « من عمل بما علم أورثه اللّه تعالى علم ما لم يعلم » . وقال البغوي والكواشي وغيرهما : التأويل وهو صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها ، تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة ، غير محظور على العلماء بالتفسير ، كقوله تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ التوبة : 1 ] ، قيل : شبابا وشيوخا ، وقيل : أغنياء وفقراء ، وقيل : نشاطا وغير نشاط ، وقيل : أصحاء ومرضى . وكل ذلك سائغ والآية تحتمله . وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور ، لأنه تأويل الجاهلين ، مثل تأويل الروافض قوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) [ الرحمن : 19 ] أنهما عليّ وفاطمة يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) [ الرحمن : 22 ] يعني الحسن والحسين . فائدة : وأما كلام الصوفية في القرآن ، فليس بتفسير . قال النسفي في عقائده : النصوص