محمد بن علي النقي الشيباني

112

مختصر نهج البيان

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 24 إلى 31 ] قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) [ 25 ] « وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ » الّذين خرجوا عن طاعته . فابتلاهم اللّه حيث عصوا موسى بالتيه في أرض فلسطين ثمانية فراسخ برّيّة قفرا لا ماء بها ولا نبات . وقد مضى شرحه في البقرة . [ 26 ] « يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ » . سنذكره في سورة الأعراف إن شاء اللّه تعالى . [ 27 ] « إِذْ قَرَّبا قُرْباناً » . جرت بينهما مفاخرة ومنافرة في أمر . وكان من سنّتهم تقريب القرابين ؛ فالمقبول ينزل عليه نار من السّماء فتحرقه ، وغيره يبقى . فقرّب هابيل كبشا وكان ذا ماشية ، وقابيل كدس طعام وكان ذا زرع . « فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما » : من هابيل . نزلت النار فأحرقت الكبش . « وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ » وبقي الطّعام بحاله . فحسده قابيل على ذلك . « قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ » . حلف ليقتلنّه . قال هابيل : « إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » . [ 29 ] « أَنْ تَبُوءَ » : ترجع . « جَزاءُ الظَّالِمِينَ » : المقدمين على ما حرّم اللّه . [ 30 ] « فَطَوَّعَتْ » : زيّنت وحسّنت . « فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ » في الدّنيا والآخرة . [ 31 ] « فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي » : يغطّي « سَوْأَةَ أَخِيهِ » . لمّا قتله ، جلس عنده متحيّرا لا يدري ما يصنع به . فبعث اللّه غرابين - قيل : كانا ملكين في صورة غرابين . وقيل : كانا غرابين على الحقيقة - فقتل أحدهما الآخر وبحث القاتل في الأرض حفيرة وغطّاه بالتّراب ؛ وقابيل ينظر إلى ذلك ، ففطن وفعل مثله .