محمد بن عبد الرحمن الإيجي الشيرازي
58
جامع البيان في تفسير القرآن ( مع حواشي الغزنوي )
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ لإرادة العموم أتى بهذا البيان فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ هذا كقوله : " فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ " ( النساء : 59 ) . وهذا حكاية لقول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على طريقة التعليم لقوله : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ : أرجع فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خبر آخر لذلكم ، أو مبتدأ خبره قوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي : من جنسكم « 1 » أَزْواجاً : نساء وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً : وخلق للأنعام من جنسها أزواجا ، أو خلق لكم من الأنعام أصنافا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ : يكثركم في ذلك الطريق والتدبير ، وهو جعلكم أزواجا يكون سببا للتوالد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ : قولنا : ليس كذاته « 2 » ، وليس كمثله ،
--> ( 1 ) أو خلق حواء من ضلع آدم / 12 منه . ( 2 ) الأصل في هذا الباب أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه ، وبما وصفته به رسله نفيا وإثباتا ، ففي " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " رد التشبيه ، وفي قوله : " وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " رد للإلحاد والتعطيل . قال الحافظ العلامة ابن القيم ، في كتابه حادي الأرواح ، في باب الرؤية : هذه الآية يعنى قوله : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " من أعظم الأدلة الدالة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله ، فإنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها ، وهكذا جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل : فلان لا مثل له وليس له نظير ولا شبيه ، أنه قد تميز عن الناس بأوصاف ونعوت لا يشاركونه فيها ، وكلما كثرت أوصافه ونعوته فاق أمثاله ، وبعد عن مشابهة أضرابه ، فكيف بالحي القيوم الذي لا مثل له في ذاته وصفاته ؟ ! فقوله : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته . انتهى . وأيضا قال : في إغاثة اللهفان بعد البيان الطويل : ، قوله تعالى : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " إنما قصد به نفى أن يكون معه شريك أو معبود يستحق العبادة والتعظيم ، ولم -