محمد بن عبد الرحمن الإيجي الشيرازي
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( مع حواشي الغزنوي )
ليأسروه فيقتلوه أو يعذبوه ، وَجادَلُوا « 1 » بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا : ليزيلوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ : أخذ إهلاك جزاء لهمّهم وفعلهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ، هذا الاستفهام بكيف حمل على الإقرار وفيه تعجيب للسامعين وَكَذلِكَ أي : كما وجب إهلاك الأمم حَقَّتْ وجبت كَلِمَةُ رَبِّكَ أي : كلمته بالعذاب ، عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا : من قومك أَنَّهُمْ أي : لأنهم ، أَصْحابُ النَّارِ : أو أنهم أصحاب النار بدل من كلمة ربك وحينئذ معناه كما وجب عذابهم في الدنيا بالاستئصال وجب عذابهم في الآخرة بالنار ، فالمراد من الذين كفروا الأمم السالفة الَّذِينَ « 2 » يَحْمِلُونَ « 3 » الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ : من الملائكة المقربين الذين هم الكروبيون يُسَبِّحُونَ متلبسين
--> ( 1 ) والمراد الجدال بالباطل والقصد إلى دحض الحق كما في قوله : " وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ " وأما الجدال لاستيضاح الحق ورد أهل الزيغ فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون قال تعالى : " وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [ العنكبوت : 46 ] فتلخص أن الجدال نوعان : جدال في تقرير الحق ، وجدال في تقرير الباطل ، أما الأول فهو حرفة الأنبياء عليهم السّلام ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم نوح - عليه السّلام : " يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا " [ هود : 32 ] ، أما الثاني فهو مذموم وهو المراد هنا وفي الحديث " إن الجدال في القرآن كفر " رواه أبو داود [ صحيح ، أخرجه أحمد والحاكم ، وعزوه إلى أبى داود وهم ، وانظر صحيح الجامع ( 3106 ) ] ، ثم نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الاغترار بشئ من حظوظهم الدنيوية فقال : " فَلا يَغْرُرْكَ " الآية / 12 فتح . ( 2 ) ولما ذكر حال الكفار المجادلين في آيات اللّه وعصيانهم ، ذكر طاعة هؤلاء المصطفين من خلقه ، فقال : " الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ " الآية [ الطور : 21 ] / 13 وجيز . فكأنه قال إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تبال بهم ، ولا تلتفت إليهم فإن حملة العرش يحبونكم ويستغفرون لكم وهم أشرف طبقات المخلوقات / 12 . ( 3 ) أخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة قال : الملائكة الذين يحملون العرش يتكلمون بالفارسية / 12 در منثور . قلت : وفي هذا الأثر نكارة ، فإن العربية أشرف اللغات .