محمد بن عبد الرحمن الإيجي الشيرازي
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( مع حواشي الغزنوي )
أي أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ عددا وَأَشَدَّ قُوَّةً : فإنهم أجسم ، وَآثاراً فِي الْأَرْضِ : كقصورهم ، ومصانعهم فَما أَغْنى ، ما نافية ، أو استفهامية منصوبة بأغنى ودخل الفاء ، لأنه كالنتيجة بمعنى أنه ترتب عليه وإن كان عكس المطلوب عَنْهُمْ : العذاب وسوء العاقبة ، ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » : كسبهم أو مكسوبهم فَلَمَّا جاءَتْهُمْ ، الفاء تفسير وتفصيل لما أبهم ، وأجمل من عدم الإغناء رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا : رضوا ، بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ « 2 » : بزعمهم أو سماه علما سخرية ، وهو قولهم : نحن
--> ( 1 ) والمقصود أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات اللّه ، وحصل الكبر العظيم في صدورهم بهذا أو السبب في ذلك كله طلب الرياسة والتقدم على الغير في المال والجاه ، فمن ترك الانقياد للحق لأجل طلب هذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا ، فبين تعالى أن هذه الطريقة فاسدة لأن الدنيا فانية ذاهبة ، وقال : " أَ فَلَمْ يَسِيرُوا " الآية يعنى لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين ليس إلا الهلاك والبوار ، مع أنهم كانوا أكثر عددا ومالا وجاها من هؤلاء المتأخرين ، فلما لم يستفيدوا من تلك المكانة العظيمة والدولة القاهرة ، إلا الخيبة والخسارة والحسرة والبائرة فكيف يكون حال هؤلاء الفقراء المساكين / 12 كبير . ( 2 ) قال الرازي : ويجوز أن يكون المراد علوم الفلاسفة والدهريين فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي اللّه دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم ، وعن سقراط أنه سمع بموسى عليه السّلام وقيل له لو هاجرت إليه فقال : " نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا " انتهى . قال ابن القيم في الإغاثة بعد ذكر فضائح الفلاسفة وتعطيلهم وكفرهم بالأنبياء فصل : وهذه البلايا ليست عامة لجميع الفلاسفة ؛ فإن الفلسفة من حيث هي لا يقتضى ذلك ، فإن معناها محبة الحكمة والفيلسوف محب الحكمة وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء وذهب إلى ما يقتضيه مجرد العقل في -