الفيروز آبادي

29

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز

فكثرت الفاحشة من أولاد قابيل ، وكانوا قد كثروا في طول الأزمان وأكثروا الفساد ، فأرسل اللّه تعالى إليهم نوحا وهو ابن خمسين سنة ، فلبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى اللّه تعالى كما أخبر اللّه تعالى به في كتابه العزيز ، ويحذّرهم ويخوّفهم فلم ينزجروا ولهذا قال اللّه تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً « 1 » ، وقال تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى « 2 » ، فلمّا طال دعاؤه لهم وإيذاؤهم له ، وتماديهم في غيّهم سأل اللّه تعالى فأوحى إليه أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ « 3 » ولمّا [ أخبره ] « 4 » أنّه لم يبق في الأصلاب ولا الأرحام مؤمن دعا عليهم فقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً « 5 » ، فأمره اللّه تعالى بإيجاد السفينة فقال : يا ربّ وأين الخشب ؟ فقال : اغرس الشجر . فغرس السّاج ، وأتى على ذلك أربعون سنة ، وكفّ عن الدعاء عليهم ، وأعقم اللّه تعالى أرحام نسائهم فلم يولد لهم ولد . فلمّا أدرك الشجر أمر اللّه تعالى بقطعه وتجفيفه وصنعه الفلك ، وأعلمه كيف يصنعه وجعل بابه في جنبه . وكان طول السّفينة ثمانين ذراعا « 6 » وعرضها خمسين ، وسمكها إلى السّماء ثلاثين ذراعا ، والذراع من اليد إلى المنكب « 7 » . وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنّ طولها كان ستمائة ذراع وستّون ذراعا ، وعرضها ثلاثمائة وثلاثين ذراعا ، وسمكها ثلاثة وثلاثين ذراعا . وأمر اللّه تعالى أن يحمل فيها من كلّ جنس من الحيوان زوجين اثنين ، وحشرها اللّه تعالى إليه من البرّ والبحر . قال مجاهد وغيره : كان التّنّور « 8 » الذي ابتدأ فوران الماء منه في الكوفة ، ومنها ركب نوح السّفينة . وقال مقاتل : هو بالشام في قرية يقال لها عين الوركة « 9 » قريب من بعلبكّ . وعن ابن عبّاس أنّه بالهند .

--> ( 1 ) الآيتان 5 و 6 سورة نوح ( 2 ) الآية 52 سورة النجم ( 3 ) الآية 36 سورة هود ( 4 ) تكملة من قصص الأنبياء ( 5 ) الآية 26 سورة نوح ( 6 ) في ا ، ب : مائتين ذراعا تصحيف ، وما أثبت عن قصص الأنبياء . ( 7 ) أردف الثعلبي بعد هذا التحديد للفلك قوله : هذا قول أهل الكتاب . ( 8 ) في التنور أقوال ، قال على كرم اللّه وجهه ، هو وجه الأرض وكل مفجر ماء تنور ، وقيل أيضا تنوير الصبح ، وقيل هو الذي يخبز فيه ( وانظر اللسان « تنر » ) . ( 9 ) في قصص الأنبياء : عين ورد