الفيروز آبادي
103
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
36 - بصيرة في ذكر إبليس وهو اسم أعجمىّ ممنوع من الصّرف ، وقيل عربىّ واشتقاقه من الإبلاس ؛ لأنّ اللّه تعالى أبلسه من رحمته ، وآيسه من مغفرته . قال ابن الأنبارىّ : لا يجوز أن يكون مشتقّا من أبلس لأنه لو كان مشتقا لصرف ، قال أبو إسحاق : فلمّا لم يصرف دلّ على أنّه أعجمىّ . قال ابن جرير : لم يصرف وإن كان عربيّا لقلّة نظيره في كلامهم فشبّهوه بالأعجمىّ . وقال الواحدىّ : الاختيار أنه ليس بمشتق لاجتماع النحويين على أنّه يمنع من الصرف للعجمة والعلميّة . واختلفوا هل هو من الملائكة أم لا ، فروى عن طاوس ومجاهد عن ابن عبّاس أنّه من الملائكة . وكان اسمه عزازيل فلمّا عصى اللّه تعالى لعنه وجعله شيطانا مريدا ، وسمّاه إبليس وبهذا قال ابن مسعود وسعيد بن المسيّب وقتادة ، وابن جريج وابن جرير ، واختاره ابن الأنبارىّ والزّجّاج ، قال : وهو مستثنى من جنس المستثنى منه ، قالوا : وقول اللّه تعالى : كانَ مِنَ الْجِنِّ « 1 » أي طائفة من الملائكة يقال لهم الجنّ . وقال الحسن وعبد الرحمن ابن زيد ومسهر ، وابن حوشب : ما كان من الملائكة قط ، والاستثناء منقطع ، والمعنى عندهم أنّ الملائكة وإبليس أمروا بالسّجود فأطاعت الملائكة وعصى إبليس . والصّحيح أنّه كان من الملائكة « 2 » لأنّه لم ينقل أنّ غير الملائكة أمر بالسّجود ، والأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه . وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنهما أنّ اللّه تعالى أمر إبليس أن يأتي محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة إنسان ويجيبه عن كلّ ما سأل . قال : فجاء اللعين
--> ( 1 ) الآية 50 سورة الكهف ( 2 ) في الكشاف للزمخشري عند تفسير قوله تعالى ( كانَ مِنَ الْجِنِّ ) : كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين ، كأن قائلا قال : ما له لم يسجد فقيل كان من الجن ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) ، والفاء للتسبيب أيضا جعل كونه من الجن سببا في فسقه ، لأنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر اللّه لأن الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس كما قال ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) وهذا الكلام المعترض تعمد من اللّه تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم ، فما أبعد البون بين ما تعمده اللّه وبين قول من ضاده وزعم أنه كان ملكا ورئيسا على الملائكة فعصى فلعن ومسخ شيطانا ، ثم وركه على ابن عباس . اه .