الفيروز آبادي

227

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز

في توبته إذا تاب إليه وجده غفورا رحيما ، والمتوكّل إذا صدق في توكّله وجده كافيا حسيبا « 1 » ، والدّاعى إذا صدق في الرّغبة إليه وجده قريبا مجيبا ، والمحبّ إذا صدق في محبّته وجده ودودا حبيبا ، والملهوف « 2 » إذا صدق في الاستعانة وجده كاشفا للكرب مخلّصا منه ، والمضطرّ إذا صدق في الاضطرار إليه وجده رحيما معينا ، والخائف إذا صدق في اللجإ إليه وجده مؤمّنا من الخوف ، والراجي / إذا صدق في رجائه وجده عند ظنّه به ، فمحبّه وطالبه ومريده ومن لا يبتغى « 3 » به بدلا ولا يرضى بسواه عوضا إذا صدق في محبّته وإرادته وجده أيضا وجودا أخصّ من تلك الوجودات ، فإنّه إذا كان المريد منه يجده فكيف مريده ومحبّه ! فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربّه ، أمّا ظفره بنفسه فتصير منقادة له ، مطيعة تابعة مرضاته ، غير أبيّة ولا أمّارة ، بل تصير خادمة له ومملوكة بعد أن كانت مخدومة مالكة . وأمّا ظفره بربّه فقربه منه وأنسه به ، وعمارة سرّه به ، وفرحه وسروره أعظم فرح وسرور . فهذا حقيقة اتصال الوجود . وأمّا اتصال العلم والعمل قد يسمّونه اتّصال الاعتصام ، فهو بتصحيح القصد ، ثمّ تصفيته الإرادة ، ثم تحقيق الحال . وتصحيح القصد يكون بشيئين : إفراد المقصود ، وجمع الهمّ عليه ؛ وحقيقته توحيد القصد والمقصود ، فمتى انقسم قصده أو مقصوده لم يكن اتّصاله صحيحا . وأمّا تصفية الإرادة فهو تخليصها من الشوائب وتعلّقها بالسّوى « 4 » أو بالأعراض ، بل

--> ( 1 ) حسيبا : كافيا يعطى للمرء من العلم والحفظ والجزاء مقدار ما يحسبه أي يكفيه . ( 2 ) الملهوف : المضطر أو المظلوم ينادى ويستغيث . ( 3 ) في ب : يبغى . ( 4 ) السوى : الغير .