الفيروز آبادي
179
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
وعلمت عند ذلك أنّ رفعتك وعلوّ مرتبتك أن تلحق بمن يقول إنّه دونك من حيوان أو نبات أو جماد ، فإن كلّ شئ مفطور على العلم باللّه إلّا مجموع الإنس والجانّ ، فإنّه من حيث تفصيله منطو على العلم باللّه كسائر ما سواهما من المخلوقات من ملك وحيوان ونبات وجماد ، فما من شئ فيه من شعر وجلد ولحم وعصب ودم وروح ونفس وظفر وناب إلّا وهو عالم باللّه ، حتّى ينظر ويفكّر ويرجع إلى نفسه فيعلم أنّ له صانعا صنعه وخالقا خلقه ، فلو أسمعه اللّه نطق جلده أو يده أو لسانه أو عينه لسمعه ناطقا بمعرفته بربّه ، مسبّحا لجلاله ، مقدّسا لجماله يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ « 1 » الآية الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ « 2 » ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا « 3 » . فالإنسان من حيث تفصيله عالم باللّه ، ومن حيث جملته جاهل باللّه حتّى يتعلّم ، أي يعلم بما في تفصيله ، فهو العالم الجاهل فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ « 4 » . قال أبو القاسم الأصفهانىّ : الوحي : الإشارة السّريعة ، ولتضمّن السّرعة قيل : أمر وحىّ « 5 » ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز « 6 » أو التعريض « 7 » . وقد يكون بصوت مجرّد عن التركيب ، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة ، وقد حمل على كل ذلك قوله / تعالى : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ
--> ( 1 ) الآية 24 سورة النور . ( 2 ) الآية 65 سورة يس . ( 3 ) الآية 21 سورة فصلت . ( 4 ) الآية 17 سورة السجدة . ( 5 ) وحى : سريع . ( 6 ) الرمز : الصوت الخفي أو الإشارة بالشفة . ( 7 ) التعريض : خلاف التصريح وهو تورية في القول ولحن بالكلام .