الفيروز آبادي
178
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
وقد يكون الوحي إسراع الروح الإلهىّ بالإيمان بما يقع به الإخبار والمفطور عليه كلّ شيء ممّا لا كسب فيه من الوحي أيضا ، كالمولود يلتقم ثدي أمّه ، ذلك من أثر الوحي الإلهىّ إليه كما قال : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ « 1 » ، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ « 2 » . وقال تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ « 3 » فلو لا أنّها « 4 » فهمت من اللّه وحيه لما صدر منها ما صدر ، ولهذا لا تتصوّر معه المخالفة إذا كان الكلام وحيا ، فإن سلطانه أقوى من أن يقاوم ، وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ « 5 » ، ولذا فعلت ولم تخالف ، والحالة تؤذن بالهلاك ولم تخالف ولا تردّدت ، ولا حكمت عليها البشريّة بأن هذا من أخطر الأشياء ، فدلّ على أنّ الوحي أقوى سلطانا في نفس الموحى إليه من طبعه الذي هو عين نفسه ، قال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 6 » وحبل الوريد من ذاته . فإذا زعمت يا ولىّ بأنّ اللّه أوحى إليك فانظر نفسك في التردّد والمخالفة ، فإن وجدت لذلك أثر تدبير أو تفضيل أو تفكّر فلست بصاحب وحى ، فإن حكم عليك وأعماك وأصمّك وحال بينك وبين فكرك وتدبيرك وأمضى حكمه فيك ، فذلك هو الوحي ، وأنت عند ذلك صاحب وحى ،
--> ( 1 ) الآية 85 سورة الواقعة . ( 2 ) الآية 154 سورة البقرة . ( 3 ) الآية 68 سورة النحل . ( 4 ) في ا ، ب : ما وما أثبت أوضح . ( 5 ) الآية 7 سورة القصص . ( 6 ) الآية 16 سورة ق . ومن هذه الآية إلى ما قبل بصيرة ( وزن ) سقط من نسخة ب .