الفيروز آبادي
517
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
له نفسان تستحى إحداهما من الأخرى ، وهذا أكمل ما يكون من الحياء ، فإنّ العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحى من غيره أجدر . وقال « 1 » يحيى بن معاذ رحمه اللّه : من استحى من اللّه مطيعا استحى اللّه منه وهو مذنب . وهذا الكلام يحتاج إلى شرح ، ومعناه أنّ من غلب عليه خلق الحياء من اللّه حتّى في حال طاعته فقلبه « 2 » مطرق من بين يديه إطراق مستحى خجل ، فإنّه إذا واقع « 3 » ذنبا استحى اللّه عزّ وجلّ من نظره إليه في تلك الحالة لكرامته عليه فيستحى أن يرى من وليّه ومن يكرم عليه ما يشينه . وفي الشاهد [ ما يشهد ] بذلك ، فإن الرّجل إذا اطّلع على أخصّ النّاس به وأحبّهم إليه من صاحب أو ولد أو حبيب وهو يخونه فإنّه يلحقه من ذلك الاطّلاع حياء عجيب حتّى كأنّه هو الجاني ، وهذا غاية الكرم . وقد قيل : إنّ سبب هذا الحياء أنّه يمثّل نفسه الجاني فيلحقه الحياء كما إذا شاهد الرّجل من أحصر على المنبر عن الكلام فيلحقه الحياء فإنّه يخجل تمثيلا لنفسه بتلك الحالة . وأمّا حياء الربّ - تبارك وتعالى - من عبده فنوع آخر لا تدركه الأوهام ولا تكيّفه العقول ، فإنّه حياء كرم وبرّ وجود ، فإنّه خير كريم يستحى من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا ، ويستحى أن يعذّب ذا شيبة شابت في الإسلام . وكان يحيى بن معاذ يقول : سبحان من يذنب عبده ويستحى هو « 4 » .
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية 129 ( 2 ) في الأصلين : « فعليه » والظاهر أنه محرف عما أثبت . ( 3 ) في الأصلين : « وقع » والظاهر ما أثبت . ( 4 ) في الرسالة 129 : « العبد فيستحيى هو منه » .