عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
553
اللباب في علوم الكتاب
يبق لقول الملائكة : « فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ » فائدة ) ، وأجيبوا بأن ( هذا ) « 1 » الكلام إنما يبقى مفيدا إذا قلنا : إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا « 2 » على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم ، وذلك يدل على صحة قولنا . واللّه أعلم . قوله : « وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً » . فإن قيل : السّوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يساقوا إليه ، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيّ حاجة فيه إلى السّوق ؟ ! . فالجواب : من وجوه : الأول : أن المحبة والصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] . فإذا قيل لواحد منهم : اذهب إلى الجنة فيقول : لا أدخلها إلا مع أحبّائي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السّوق إلى الجنة . والثاني : أن المتقين قد عبدوا اللّه لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانعا لهم من الرغبة في الجنة فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة . والثالث : أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « أكثر أهل الجنة البله » فلهذا السبب يساقون إلى الجنة . الرابع : أن أهل النار وأهل الجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل ، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين ، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السّوقين « 3 » . قوله : « حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ » في جواب « إذا » ثلاثة أوجه : أحدها : قوله : « وَفُتِحَتْ » والواو زائدة « 4 » . وهو رأي الكوفيين « 5 » والأخفش « 6 » .
--> ( 1 ) كذلك . ( 2 ) في ب كفروا وكذبوا الأنبياء . ( 3 ) في ب الفريقين وما هنا في « أ » أعلى يوافق الرازي . وانظر هذا كله في الرازي 27 / 20 و 21 . وقد سبقه - ولكن بإجمال - العلامة الزمخشري في الكشاف 3 / 410 و 411 . ( 4 ) وعبر عنها الزجاج ناقلا لهذا الرأي بسقطه أي زائدة تسقط تقديرا انظر : معاني القرآن وإعرابه 4 / 373 والبيان 2 / 327 والتبيان 1114 ومشكل إعراب القرآن 2 / 261 والبحر 7 / 443 والدر المصون 4 / 668 . ( 5 ) أورد ابن الأنباري في كتابه الإنصاف في مسائل الخلاف في المسألة 64 من ص 456 إلى 462 مزيدا من التفصيل متناولا رأي كلّ فريق . ( 6 ) معاني القرآن له 673 .