عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

524

اللباب في علوم الكتاب

ولمّا حكى عنهم هذا المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء : أولها : أن هؤلاء الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأمور « 1 » وملكوا مثله معه جعلوا الكل فدية لأنفسهم من العذاب الشديد . وثانيها : قوله : « وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ » أي ظهرت لهم أنواع من العذاب « 2 » لم يكن في حسابهم ، وهذا كقوله - عليه ( الصلاة و ) السلام - في صفة الثواب في الجنة : « فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » فكذلك حصل في العقاب مثله وهو قوله : « وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ » « 3 » وقال مقاتل : ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة . وقال السدي : ظنوا أن أعمالهم حسنات فبدت لهم سيئات والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى اللّه بعبادة الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم من اللّه ما لم يحتسبوا . وثالثها : قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي مساوىء أعمالهم من الشرك وظلم أولياء اللّه « 4 » « وَحاقَ بِهِمْ » أي أحاط بهم من جميع الجوانب « ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » فنبه تعالى بهذه الوجوه على عظم عقابهم « 5 » . قوله : « سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا » يجوز أن يكون « ما » مصدرية أي سيئات كسبهم أو بمعنى الذي أي سيئات أعمالهم التي اكتسبوها « 6 » . قوله : « فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا . . . » الآية . وهذه حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة وهي أنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى اللّه تعالى ويرون أن دفع ذلك البلاء لا يكون إلا منه ، ثم إنه تعالى إذا خوّله أعطاه نعمة يقول : إنما أوتيته على علم أي علم من اللّه أني أهل له . وقيل : إن كان ذلك سعادة « 7 » في الحال أو عافية في النفس يقول إنما حصل له ذلك بجدّه واجتهاده ، وإن كان مالا يقول : إنما أوتيته بكسبي وإن كان صحة قال : إنما حصل بسبب العلاج الفلاني ، وهذا تناقض عظيم ، لأنه لما كان عاجزا محتاجا أضاف الكل إلى اللّه وفي حال السلامة والصحة قطعه من اللّه وأسنده إلى كسب نفسه وهذا تناقض قبيح « 8 » .

--> ( 1 ) في الرازي : من الأموال . ( 2 ) وفيه : العقاب . ( 3 ) انظر الرازي 26 / 287 . ( 4 ) نقله البغوي والخازن في تفسيريهما اللباب ومعالم التنزيل . ( 5 ) الرازي السابق . والحيق ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء عمل يعمله فينزل ذلك به . اللسان : « ح ي ق » 1072 ومجاز القرآن 2 / 190 . ( 6 ) هو معنى كلام الزمخشري في الكشاف 3 / 401 قال أي سيئات أعمالهم التي كسبوها أو سيئات كسبهم حين تعرض صحائفهم . وانظر : الدر المصون 4 / 656 . ( 7 ) في الرازي سعة . ( 8 ) مع تصرف من المؤلف في عبارة الرازي 26 / 287 ، 288 . والتّخويل مختص بالتفضل يقال : خولني -