عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

506

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ » أي تقول الخزنة للظالمين : « ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ » أي وباله . ولما بين كيفية عقاب القاسية قلوبهم في الآخرة وبين كيفية وقوعهم في العذاب قال : « كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » أي من قبل كفار مكة كذبوا الرسل « فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ » يعني وهم آمنون غافلون عن العذاب « 1 » أي من الجهة التي لا يخشون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها ، « فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » وهو الذل والصغار والهوان ثم قال « وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » يعني أنّ أولئك وإن نزل بهم العذاب والخزي في الدنيا فالعذاب المدخر لهم يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع بهم في الدنيا . قوله تعالى : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 27 إلى 29 ] وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 28 ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) ولما ذكر اللّه تعالى هذه الفوائد الكثيرة في هذه المطالب بين أن هذه البيانات بلغت حدّ الكمال والتمام فقال : « وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » يتعظون ، قالت المعتزلة : دلت الآية على أن أفعال اللّه تعالى وأحكامه معللة ، ودلت أيضا على أنه تعالى يريد الإيمان والمعرفة من الكلّ ؛ لأن قوله : « وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ » مشعر بالتعليل ، وقوله في آخر الآية : لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ مشعر بالتعليل أيضا ومشعر بأن المراد من ضرب هذه الأمثال حصول التذكرة والعلم « 2 » . قوله : « قُرْآناً عَرَبِيًّا » فيه « 3 » ثلاثة أوجه : أحدها : ( أن يكون منصوبا على المدح « 4 » ؛ لأنه لما كان نكرة امتنع اتباعه للقرآن « 5 » . الثاني : أن ينتصب ب « يتذكرون » « 6 » أي ) يتذكرون قرآنا . الثالث : أن ينتصب « 7 » على الحال « 8 » من « القرآن » على أنها حال مؤكدة وتسمى حالا موطّئة ؛ لأن الحال في الحقيقة « عربيا » ، و « قرآنا » توطئة له ، نحو : جاء زيد رجلا

--> ( 1 ) انظر في هذا البغوي 6 / 74 . ( 2 ) الرازي 26 / 275 . ( 3 ) أي عربيا . ( 4 ) وهو قول الزمخشري في الكشاف 3 / 396 . ( 5 ) قال بالتعليل السمين في الدر 4 / 648 . ( 6 ) هو قول أبي البقاء في التّبيان 1111 وما بين القوسين ساقط من ب . ( 7 ) في ب : ينصب . ( 8 ) التّبيان والكشّاف والدّر السابقة وانظر أيضا البيان 2 / 323 ومشكل الإعراب 2 / 259 .