عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
491
اللباب في علوم الكتاب
الثالث : أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانيّة في الحرارة والإحراق والإيذاء « 1 » أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة « 2 » . قوله : « ذلك » مبتدأ . وقوله « الذي يخوف الله به » خبر ، والتقدير ذلك العذاب المعدّ للكفار هو الذي يخوف اللّه به عباده أي المؤمنين ، لأن لفظ العباد في القرآن يختص بأهل الإيمان ، وقيل : تخويف للكفار والضلال والأول أقرب لقوله بعده : « يا عِبادِ فَاتَّقُونِ » . والظاهر أن المراد منه المؤمنون . قوله : « وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ » الذين مبتدأ ، والجملة من « لَهُمُ الْبُشْرى » الخبر ، وقيل : « لهم » هو الخبر نفسه ، و « البشرى » فاعل به « 3 » . وهذا أولى لأنه من باب الإخبار بالمفردات « 4 » . والطّاغوت قال الزمخشري : فعلوت من الطّغيان كالملكوت والرّهبوت إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام « 5 » على العين . لما ذكر وعيد عبدة الأصنام ذكر وعد من اجتنب عبادتها واحترز عن أهل الشرك ليكون الوعد مقرونا بالوعيد أبدا فيحصل كمال الترغيب والترهيب . قيل : المراد بالطاغوت هنا : الشيطان « 6 » . فإن قيل : إنما عبدوا الصنم . فالجواب : أن الداعي إلى عبادة الصنم هو الشيطان فلما كان الشيطان هو الداعي كانت عبادة الصنم عبادة للشيطان « 7 » ، وقيل المراد بالطاغوت : الصنم وسميت طواغيت على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها ، ( والطغاة « 8 » هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان بسبب عبادتها والقرب منها وصفت بذلك ) إطلاقا لاسم السبب على المسبّب بحسب الظاهر . وقيل : الطاغوت كل من يعبد ويطاع دون اللّه . نقل ( ذلك ) « 9 » في التواريخ أن الأصل في عبادة الأصنام أن القوم ( كانوا ) « 10 » مشبهة واعتقدوا في الإله أنه نور عظيم وأن الملائكة أنواع « 11 » مختلفة في الصغر والكبر فوضعوا تماثيل صورها « 12 » على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون
--> ( 1 ) كذا في « أ » والرازي وفي ب : والإيذاق . ( 2 ) الرازي 26 / 257 والدر المصون 4 / 643 . ( 3 ) قاله السمين في المرجع السابق وابن الأنباري في البيان 2 / 333 . ( 4 ) المرجع السابق وهو الدر . ( 5 ) وهي الألف حاليا المنقلبة عن الياء قاله في الكشاف 3 / 392 أقول : وما دام هذا رأي الزمخشري فلماذا لا يكون وزنه فلعوت ؟ كأيس بزنة عفل ؛ فإن القلب المكاني ممّا يراعى فيه الصورة الحاضرة وأمثلته كثيرة في العربية . ( 6 ) وهو قول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه 4 / 349 والزمخشري 3 / 392 . ( 7 ) في ب الشيطان وانظر الرازي 26 / 258 . ( 8 ) ما بين القوسين كله ساقط من ب . ( 9 ) زائد من « أ » . ( 10 ) كذلك . ( 11 ) في ب والرازي : أنوار لا أنواع . ( 12 ) في ب صور وفي الرازي : تماثيل وصورا .