عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
489
اللباب في علوم الكتاب
أو كان العامل « 1 » فرعا وبغير اطراد في غير الموضعين . ولم يذكر أحد من النحويين هذا التفصيل . وقوله : كما عوض السين في « أسطاع » « 2 » هذا على أحد القولين ، والقول الآخر أنه استطاع ، فحذف تاء الاستفعال ، وقوله : والدليل عليه مجيئه بغير لام قد يقال : إن أصله باللام ، وإنما حذفت لأن حرف الجر يطرد حذفه مع « أن » و « أنّ » ويكون المأمور به محذوفا تقديره : أن أعبد لأن أكون . فصل [ في معنى الآية : « وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ » ] المراد من الكلام : أن يكون أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها . واعلم أن العبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح وهو الإسلام فقال : « وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ » أي من هذه الأمة . قوله : « إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي » وعبدت غيره « عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » وهذا حين دعا إلى دين آبائه « 3 » ، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي . ودلت هذه الآية على أن الأمر للوجوب لقوله في أول الآية : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ثم قال بعده : « قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي » فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره ، ودلت الآية أيضا على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب « 4 » . قوله : « قُلِ « 5 » اللَّهَ أَعْبُدُ » قدمت الجلالة عند قوم لإفادة الاختصاص « 6 » . قال الزمخشري : ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة هنا وأخره في الأول فالكلام أولا وقع في الفعل نفسه وإيجاده ، وثانيا فيمن « 7 » يفعل الفعل من أجله فلذلك رتب عليه قوله : « فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ » « 8 » . قال ابن الخطيب : فإن قيل : ما معنى التكرير في قوله : « قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ » وقوله : « قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي » ؟ قلنا : هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة اللّه بالإيمان « 9 » بالعبادة والثاني إخبار بأنّه أمر أن لا يعبد أحدا غير اللّه ، وذلك لأن قوله : « أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ » لا يفيد الحصر وقوله تعالى : قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ يفيد الحصر أي اللّه أعبد ولا أعبد أحدا سواه ، ويدل عليه أنه لما قال : « قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ » قال بعده : « فَاعْبُدُوا ما
--> ( 1 ) أي إذا كان العامل غير أصيل مثل اسم الفاعل في قوله : « فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » * وهذه اللام تسمى لام التقوية لأنها قوت العامل - وهو اسم الفاعل - لما كان فرعا عن الفعل وهو فعل . ( 2 ) في ب استطاع لحن وخطأ . ( 3 ) قاله البغوي في معالم التنزيل [ 6 / 70 ] . ( 4 ) قاله الرازي 26 / 255 . ( 5 ) في ب قل كما القرآن وفي « أ » بل فالتصحيح من ب . ( 6 ) نقله السمين في الدر 4 / 643 . ( 7 ) كذا في ب والكشاف وفي « أ » ضمير بدل من « فيمن » . خطأ . ( 8 ) انظر : الكشاف 3 / 392 . ( 9 ) كذا في النسختين وفي تفسير ابن الخطيب وهو الرازي بالإتيان . وانظر : الرازي 26 / 255 .