عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

472

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى » لاختار « مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ » يعني الملائكة كما قال : لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [ الأنبياء : 17 ] ثم نزه نفسه فقال : « سبحانه » تنزيها له عن ذلك وعما لا يليق بطهارته « 1 » « هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » . والمراد من هذا الكلام إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزها عن الولد . قوله : « خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ » لما بين في الآية المتقدمة كونه منزها عن الولد بكونه إلها واحدا قهارا أي كامل القدرة ذكر عقيبها ما يدل على الاستغناء . وأيضا لما أبطل « 2 » إلهيّة الأصنام ذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية ، وقد تقدم أن الدّلائل التي يذكرها اللّه تعالى في إثبات الإلهية إمّا أن تكون فلكية أو أرضيّة أما الفلكية فأقسام : أحدها : خلق السماوات والأرض . وقد تقدم شرحها في تفسير قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 3 » [ الأنعام : 1 ] . وثانيها : اختلاف أحوال الليل والنهار ، وهو المراد ههنا من قوله : « يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ » « 4 » . وفي هذه الجملة وجهان : أظهرهما : أنها مستأنفة ، أخبر تعالى بذلك . والثاني : أنها حال ، قاله أبو البقاء « 5 » ، وفيه ضعف من حيث أن تكوير أحدهما على الآخر إنما كان بعد خلق السماوات والأرض إلا أن يقال : هي حال مقدرة ، وهو خلاف الأصل « 6 » . والتكوير : اللّفّ واللّيّ يقال : كار العمامة على رأسه وكوّرها « 7 » ، ومعنى تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل على هذا المعنى أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا وإذا غشي مكانه فكأنما « 8 » لف عليه وألبسه كما يلف اللباس على

--> ( 1 ) قاله البغوي في : معالم التنزيل 6 / 67 . ( 2 ) في الرازي : طعن . ( 3 ) وانظر : اللباب 2 / 335 ب . ( 4 ) الرازي 26 / 243 و 244 . ( 5 ) التبيان 1108 والدر المصون 4 / 635 . ( 6 ) قاله شهاب الدين في كتابه الدر المصون 4 / 635 . ( 7 ) اللسان : « ك ور » 3953 والمجاز 2 / 288 ، والغريب 382 والقرطبي 15 / 234 و 235 والبحر المحيط 7 / 386 و 387 . ( 8 ) في ب فكأنه .