عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

465

اللباب في علوم الكتاب

لضرورة ، وأيضا فإنّا إذا قلنا : « تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ » جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة وهي تنزيل الكتاب يكون من اللّه لا من غيره ، وهذا الحصر معنى معتبر ، وإذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة ، وأيضا فإنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير : هذا تنزيل الكتاب ، وحينئذ يلزم مجاز آخر لأن هذا إشارة إلى السورة وهي ليست نفس التنزيل بل السورة منزلة فحينئذ يحتاج إلى أن يقول : المراد منه المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة « 1 » . قوله : « مِنَ اللَّهِ » يجوز فيه أوجه : أحدها : أنه مرفوع المحل خبر التنزيل كما تقدم « 2 » . الثاني : أنه خبر بعد خبر إذا جعلنا تنزيل خبر مبتدأ مضمر ، كقولك : هذا زيد من « 3 » أهل العراق . الثالث : أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا تنزيل هذا من اللّه « 4 » . الرابع : أنه متعلق بنفس « تنزيل » إذا جعلناه خبر مبتدأ مضمر « 5 » . الخامس : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « تنزيل » عمل فيه اسم الإشارة المقدر قاله الزمخشري « 6 » . قال أبو حيان : ولا يجوز أن يكون حالا عمل فيها معنى الإشارة ؛ لأن معاني الأفعال لا تعمل إذا كان ما هي فيه محذوفا ، ولذلك ردوا على أبي العباس قوله في بيت الفرزدق : 4287 - . . . * . . . وإذ ما مثلهم بشر « 7 »

--> ( 1 ) قاله الرازي في تفسيره 26 / 237 و 238 . وهو بهذا يرجح رأي الزجاج والفراء الثاني . ( 2 ) قاله الزّمخشري أيضا في الكشاف 3 / 385 . ( 3 ) المرجع السابق . ( 4 ) السابق أيضا وقال بالأربعة الأوجه صاحب الدر المصون في تفسيره 4 / 632 . ( 5 ) المرجع السابق . ( 6 ) قال : أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة . الكشاف 3 / 385 . ( 7 ) هذا بعض بيت من البسيط وتمامه : فأصبحوا قد أعاد اللّه نعمتهم * إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر وهو للفرزدق كما أخبر هو أعلى يمدح فيه عمر بن عبد العزيز . والشاهد : نصب « مثلهم » فذهب أبو العباس إلى أن نصبه على النعت المقدم وإضمار الخبر على الحال مثل قولك : فيها قائما رجل وذلك أن النعت لا يكون قبل المنعوت والحال مفعول فيها والمفعول يكون مقدما ومؤخرا وهذا على إهمال « ما » . ورأى سيبويه في هذا أنه خبر مقدم « لما » الحجازية . وهذا تجويز منه على تقديم خبرها . وقد ردّ قول المبرد بمثل ما قال أبو حيان به في البحر من أن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة ، وبأن الحال فضلة يتم الكلام بدونها وهنا لا يتم الكلام بدون « مثلهم » فلا يكون حالا والمبتدأ أيضا قد حذف خبره في موضع لا يعلم المخاطب به ما حذف منه ولا دلالة على المحذوف وهذا لا يجوز . وقد تقدم .