عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
431
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « رحمة وذكرى » مفعول من أجله أي وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه وليتذكّر بحاله أولو الألباب « 1 » يعني سلطنا عليه البلاء أولا فصبر ، ثم أزلنا عنه البلاء وأوصلنا إليه الآلاء والنّعماء تنبيها لأولي الألباب على أن من صبر ظفر . وهو تسلية لمحمد - عليه ( الصلاة و ) السلام - كما تقدم . قالت المعتزلة : وهذا يدل على أن أفعال اللّه تعالى معلّلة بالأغراض والمقاصد لقوله : « رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ » « 2 » . قوله : « وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً » ( ضغثا ) « 3 » معطوف « 4 » على « اركض » . والضّغث الحزمة الصّغيرة من الحشيش والقضبان ، وقيل : الحزمة الكبيرة من القضبان « 5 » . وفي المثل : « ضغث على إبّالة » « 6 » والإبّالة الحزمة من الحطب ، قال الشاعر : 4276 - وأسفل منّي نهدة قد ربطتها * وألقيت ضغثا من خلى متطيب « 7 » وأصل المادة يدل على جمع المختلطات ، وقد تقدم هذا في يوسف في قوله : أَضْغاثُ أَحْلامٍ [ يوسف : 44 ] . قوله : « فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ » الحنث الإثم ويطلق على فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله لأنهما سببان فيه غالبا « 8 » . فصل [ في معنى الآية : « وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ » ] هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه « 9 » ، وقد روي أنه حلف على أهله ، واختلفوا في سبب حلفه عليها ، ويبعد ما قيل : إنها رغبة في طاعة الشيطان ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت ذوائبها لأن المضطر يباح له ذلك ، بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات ، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنّها مائة إذا برئ ،
--> ( 1 ) الدر المصون 4 / 612 والتبيان 1102 . ( 2 ) نقله الرازي في تفسيره السابق 26 / 215 . ( 3 ) زيادة ضغثا من ألا معنى لها . ( 4 ) عطف جملة على جملة ، فهو عطف جملة « وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً » على جملة « اركض » . وانظر الرازي 26 / 215 . ( 5 ) انظر : اللسان : « ص غ ث » 2590 ، 2591 ومعاني الفراء 2 / 406 ومعاني القرآن وإعرابه 4 / 335 وغريب القرآن لابن قتيبة 381 والمجاز 2 / 285 . ( 6 ) مثل يضرب لتتابع المصائب على إنسان ما ، والمثل يجوز في صدره وهو ضغث الرفع والنصب والأبيل والأبيلة والإبالة الحزمة من الحشيش والحطب انظر : أمثال الميداني 2 / 260 واللسان : « أب ل » . ( 7 ) من الطويل وهو لعوف بن الخرع التيمي . وشاهده : ضغثا فإنها بمعنى الحزمة الكبيرة . والنّهدة أنثى الفرس الجسيم والخلي : الحشيش الرطب . وانظر : مجاز القرآن 1 / 312 ، 2 / 185 ، والبحر 7 / 399 والدر المصون 4 / 612 . ( 8 ) الدر المصون 4 / 613 . ( 9 ) انظر في هذا الفصل تفسير الإمام الفخر 26 / 215 ، والقرطبي 15 / 212 وزاد المسير 7 / 143 ، 144 والبغوي 6 / 61 .