عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
419
اللباب في علوم الكتاب
( الصلاة و ) السلام - أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة اللّه تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات ، فلو كان المقصود من قصة سليمان في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقا . والصواب أن نقول : إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما هو في دين محمد عليه ( الصلاة و ) السلام ؛ ثم إنّ سليمان - عليه ( الصلاة و ) السلام - احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها ، وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما حبها لأمر اللّه وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله : « عَنْ ذِكْرِ رَبِّي » . ثم إنه - عليه السلام - أمر بإجرائها وسيّرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ، ثم إنه أمر الرابضين « 1 » بأن يردوها فردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها . والغرض من ذلك أمور : الأول : تشريفا لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو . الثاني : أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتّضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه . الثالث : أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسحها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على « 2 » المرض . فهذا التفسير هو الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من تلك المنكرات إلى سليمان عليه - ( الصلاة و ) السلام - والعجب منهم كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن حجة ؟ فإن قيل : فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه . فالجواب : أن نقول لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا ، وأيضا فإن الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء - عليهم ( الصلاة و ) السلام - ولم يدل على صحة هذه الحكايات دليل قاطع ، ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات عن أقوام لا نلتفت « 3 » إلى أقوالهم ؟ والذي ذهبنا إليه قول الزهري وابن كيسان . قوله : « وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ » قال بعض المفسرين : إن سليمان - عليه ( الصلاة و ) السلام - بلغه خبر مدينة في البحر يقال لها : صيد ، فخرج إليها بجنوده فأخذها وقتل « 4 » ملكها وأخذ بنتا له اسمها : « جرادة » من أحسن الناس وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبّها فكانت تبكي على أبيها ، فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل
--> ( 1 ) كذا في النسختين وفي الرازي الرائضين . ( 2 ) في ب : عن . ( 3 ) في ب : يلتفت . ( 4 ) في ب وقيل . وانظر : الرازي 26 / 206 .