عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

408

اللباب في علوم الكتاب

الخطيب : هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم بل لقائل أن يقول : إنه لمّا غلب على ظنه حصول الابتلاء من اللّه تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة . قوله : « فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ » أي سأل الغفران من ربه ، ثم ههنا وجهان إن قلنا : إنه صدرت منه زلّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يقل به قلنا فيه وجوه : الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطانا شديد القهر عظيم القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول « 1 » الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل قلبه « 2 » شيء من العجب فاستغفر ربّه من تلك الحالة وأناب إلى اللّه ، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق اللّه فغفر له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر . الثاني : لعله همّ بإيذاء القوم ، ثم قال : إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من « 3 » ذلك الهم . الثالث : لعل القوم تابوا إلى اللّه تعالى وطلبوا منه أن يستغفر اللّه ( لهم ) ولأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى اللّه فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه . وهذه كلها وجوه محتملة ظاهرة ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه ، وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به ؟ ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله : « وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ » ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عنه امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل « 4 » أنواعا من الشدائد في الموافقة والانقياد . قوله : « ذلك » الظاهر أنه مفعول « غفرنا » « 5 » وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمر ذلك « 6 » ولا حاجة « 7 » إلى هذا . والمشهور أنّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النّعجة ، والنّعاج ، وقيل : بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني ، وذلك غير جائز . قوله : « يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ » أي تدبر أمور العباد بأمرنا ، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أن اللّه تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض

--> ( 1 ) في ب والرازي : حصول . ( 2 ) في ب فقط عليه . ( 3 ) في ب والرازي عن ذلك . وانظر تفسير الرازي 26 / 198 . وفي معنى الظن معاني الزجاج 4 / 327 والقرطبي 15 / 1797 والبغوي والخازن 6 / 48 . ( 4 ) في ب ويحمل . ( 5 ) الدر المصون 4 / 604 والبيان 2 / 315 . ( 6 ) المرجعان السابقان وانظر : التبيان 1099 . ( 7 ) في الدر المصون وأي حاجة إلى هذا بطريق الاستفهام .