عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
404
اللباب في علوم الكتاب
صغيرة لداود عليه ( الصلاة و ) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أن نقول : روي أنّ جماعة من الأعداء طمعوا أن يقتلوا داود - عليه ( الصلاة و ) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه ، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوّروا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما يمنعهم « 1 » منه فخافوا ووضعوا « 2 » كذبا وقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض إلى آخر القصة . وليس في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه ( الصلاة و ) السلام إلا ألفاظ أربعة : أحدها : قوله : « وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ » . وثانيها : قوله : « فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً » . وثالثها : « وَأَنابَ » . ورابعها : قوله : « فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ » . ثم نقول : هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجوه : الأول : أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذا الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه « 3 » الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصّفح والتجاوز عنهم طلبا لمرضاة اللّه تعالى فكانت هي « 4 » الفتنة لأنها جارية مجرى الابتلاء والامتحان ثم إنّه استغفر ربه مما همّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمّ وأناب فغفر له ذلك القدر من الهمّ والعزم . الثاني : أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال : لمّا لم تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فلبئس « 5 » ما عملت حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله : « وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ » ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر اللّه له ذلك . الثالث : دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه ( الصلاة و ) السلام - إلا أنه عليه ( الصلاة و ) السلام استغفر لذلك العازم « 6 » على قتله كقوله في حق محمد - صلى اللّه عليه وسلم - : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ محمد : 19 ] فداود ( عليه السلام ) « 7 » استغفر لهم ، وأناب أي رجع إلى اللّه تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل « 8 » ، وقوله : « فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ » أي فغفرنا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] إن معناه : إن اللّه يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذنب أمّتك .
--> ( 1 ) كذا ؛ وفي الرازي يمنعونه منهم . ( 2 ) في ب : ووصفوا . ( 3 ) في ب : داعاه . ( 4 ) أي الواقعة وفي ب بدلا من هي « من » . ( 5 ) كذا في النسختين وفي الرازي : فبئسما علمت بهم . ( 6 ) كذا في « أ » والرازي وفي ب العزم . ( 7 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 8 ) كذا في ب و « أ » . وفي الرازي للقتل .