عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

399

اللباب في علوم الكتاب

أحبّ امرأة « أوريا » فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل اللّه ( تعالى ) « 1 » ملكين في صورة « 2 » المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته ( وعرضا « 3 » تلك الواقعة عليه ) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبا ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة . وقال ابن الخطيب : والذي أدين به وأذهب إليه أنّ ذلك باطل لوجوه : الأول : أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق النّاس وأشدهم فجورا لانتفى منها ، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه ورعا ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه ؟ ! . الثاني : أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر ؛ قال - عليه ( الصلاة و ) السلام : « من سعى في دم مسلم ولو بشرّ كلمة جاء مكتوب عليه بين عينيه آيس من رحمة اللّه » « 4 » . وأما الثاني فمنكر عظيم ، قال - عليه ( صلاة و ) السلام - : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده « 5 » . وإن « أوريا » لم يسلم من داود لا في روحه « 6 » ولا في منكوحه . الثالث : أن اللّه تعالى وصف داود بصفات تنافي كونه - عليه ( الصلاة و ) السلام - موصوفا بهذا الفعل المنكر فالصفة الأولى أنه تعالى أمر محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - ( في ) « 7 » أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته « 8 » فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة اللّه ؟ ! . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبدا له ، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات ، فلو قلنا : إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملا إلّا في طاعة الهوى والشهوة . وأما الصفة الثالثة وهي قوله : « ذَا الْأَيْدِ » أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار ، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات ، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم ؟ ! الصفة الرابعة : كونه أوّابا كثير الرجوع إلى اللّه تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوف بالقتل والفجور ؟ ! . الصفة الخامسة : قوله تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا « 9 » سبيله

--> ( 1 ) سقطت من ب والرازي . ( 2 ) في ب بصورة وما هنا موافق للرازي . ( 3 ) ما بين القوسين كله سقط من ب . ( 4 ) رواه ابن ماجة في سننه 2 / 874 عن أبي هريرة . ( 5 ) رواه البخاريّ في صحيحه 1 / 11 عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما . ( 6 ) كذا في الرازي وما في ب نفسه . ( 7 ) سقط من ب . ( 8 ) في « أ » شهرته والتصحيح من ب والرازي . ( 9 ) كذا في النسختين وما في الرازي ليتخذه وسيلة .