عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
377
اللباب في علوم الكتاب
قال مقاتل : وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أزد شنوءة « 1 » ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً [ نوح : 22 ] . وهو أبلغ من كبار وكبار أبلغ من كبير ، وقوله : « أجعل » أي أصيّرها إلها واحدا في قوله وزعمه . قوله : « وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ » الملأ : هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيون والقلوب من مهابتهم « 2 » ، وقوله « منهم » أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكّتهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض : « أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ » ، وذلك أن عمر بن الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنّا الوليد بن المغيرة قال لهم : امشوا إلى أبي طالب فأتوا أبا طالب وقالوا له : أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فدعا به فقال يا ابن أخي : هؤلاء قومك يسألونك السّواء فلا تمل كلّ الميل على قومك ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ماذا تسألون ؟ » فقالوا : ارفض ذكر آلهتنا وندعك وآلهتك فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال أبو جهل للّه أبوك لنعطيكها وعشرا أمثالها فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : قولوا لا إله إلا اللّه فنفروا من ذلك وقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا كيف يسع الخلق كلهم إله واحد ؟ ! « إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ » أي عجيب « 3 » . قوله : « أَنِ امْشُوا » يجوز أن تكون « أن » مصدرية أي انطلقوا بقولهم أن امشوا « 4 » ، وأن تكون مفسّرة إما « لانطلق » لأنه ضمن معنى القول « 5 » ، قال الزمخشري : لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى « 6 » . وقيل : بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانطلقوا يتحاورون أن امشوا « 7 » . ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر « 8 » . وقيل : الانطلاق هنا الاندفاع في
--> ( 1 ) البحر 7 / 385 والدر المصون 4 / 591 والقرطبي 15 / 150 . ( 2 ) الرازي 26 / 178 . ( 3 ) نقله البغوي والخازن في تفسيريهما معالم التنزيل ولباب التأويل 6 / 41 ، 42 وانظر كذلك الكشاف 3 / 360 وزاد المسير 7 / 103 . ( 4 ) نقله أبو البقاء في كتابه التبيان 1097 كما نقله السمين في الدر 4 / 592 . ( 5 ) وهو مفهوم كلام النحاس في الإعراب 4 / 454 وابن الأنباري في البيان 2 / 313 والزمخشري في الكشاف 3 / 360 . ( 6 ) السابق . ( 7 ) البحر 7 / 385 والسمين 4 / 592 . ( 8 ) السابقان .