عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

333

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ » لما تؤمر . إنما علق المشيئة للّه تعالى على سبيل التبرك والتيمن فإنه لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه ولا قوة على طاعة اللّه إلّا بتوفيق اللّه . فصل [ في اختلاف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأمورا بهذا ] اختلف « 1 » الناس في أنّ إبراهيم - عليه ( الصلاة و ) السلام - كان مأمورا بهذا . وهذا الاختلاف يتفرع عليه مسألة أصولية وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور وقت الامتثال ، فقال بعضهم : إنه يجوز ، وقالت المعتزلة وبعض الشافعية والحنفية : إنه لا يجوز فعلى الأول أنّ اللّه تعالى أمره بالذبح ، ثم إن اللّه تعالى فسخ هذا التكليف قبل حضور وقته « 2 » ، وعلى الثاني أن اللّه تعالى ما أمره بالذبح وإنما أمره بمقدمات الذبح ، واحتج الأوّلون بقصة إبراهيم - عليه ( الصلاة و ) السلام - وقول الولد لأبيه : « افْعَلْ ما تُؤْمَرُ » . وقالت المعتزلة لا نسلم أنه أمر بذبح ولده بل إنما أمر بمقدّمات الذبح وهي إضجاعه ، ووضع السكين على حلقه ، والعزم الصحيح في الإتيان بذلك الفعل ، ثم إن اللّه تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به لقوله : « يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا » فدل على أنه تعالى إنما أمره بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح . وأيضا فإن الذبح عبارة عن قطع الحلقوم ، فلعل إبراهيم - عليه ( الصلاة و ) السلام - قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءا أعاد اللّه تأليفه ولهذا السبب لم يحصل الموت . وأيضا فإنه تعالى لو أمر شخصا معينا بإيقاع فعل معين في وقت معين فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن فلو حصل النهي في عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين إما أن يكون عالما بحال ذلك الفعل فيلزم أن يقال : إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن ، وإن لم يكن عالما به لزم جهل اللّه ( تعالى ) وأنه محال ، والجواب عن الأول أنه تعالى إنما أمره بالذّبح لظاهر الآية وأما قولهم كلما قطع إبراهيم عليه ( الصلاة و ) السلام جزءا أعاد اللّه تأليفه فهذا باطل لأن إبراهيم عليه ( الصلاة و ) السلام لو أتى بكل ما أمر به لما « 3 » احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بكل ما أمر به ، وأما قولهم : يلزم إما الأمر بالقبيح وإما الجهل فنقول : هذا بناء على أن اللّه لا يأمر إلا بما يكون حسنا في ذاته ولا ينهى إلا عما يكون قبيحا في ذاته فذلك مبني على تحسين العقل وتقبيحه . وهو باطل فإن سلّمنا ذلك فلم ( لا ) « 4 » يجوز أن يكون الأمر بالشيء تارة حسنا لكون المأمور به حسنا في ذلك الوقت لمصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسنا كما إذا أراد السيد اختبار طاعة العبد فيقول له : افعل الفعل الفلانيّ في يوم الجمعة ويكون ذلك الفعل شاقّا ويكون مقصود السيد ليس أن يأتي العبد بذلك الفعل بل أن يوطن العبد نفسه على الانقياد

--> ( 1 ) انظر هذه الآراء في الرازي 26 / 155 . ( 2 ) في ب : دفعه . ( 3 ) في ب : « فما » بدل « لما » . ( 4 ) كلمة « لا » سقطت من نسخة ب .