عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
329
اللباب في علوم الكتاب
لأن الذي جرى ذكره من أول الآية إلى هذا الموضع فهو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال « 1 » . قال ابن الخطيب : و ( اعلم « 2 » أن ) هذه ( ال ) سّؤالات قوية فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية . قوله : « قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً » لما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة الإيذاء ( فقالوا : ابنوا ( له ) بنيانا ) ، قال ابن عباس : بنوا حائطا من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملأوه نارا وطرحوه فيها وذلك هو قوله : « فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ » وهي النار العظيمة « 3 » . قال الزجاج : كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم « 4 » ، والألف واللام في الجحيم يدل على النهاية « 5 » ( والمعنى « 6 » في جحيمه أي في جحيم ذلك البنيان . ثم قال تعالى : « فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ » ) والمعنى أن في وقت المحاجة « 7 » حصلت الغلبة له وعندما ألقوه في النار صرف اللّه عنه ضرر النار فصار هو الغالب عليهم « وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً » أي شواء وهو أن يحرقوه « فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ » المقهورين من حيث سلم اللّه إبراهيم ورد كيدهم ، ولمّا انقضت هذه الواقعة قال إبراهيم : « إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ » ونظير هذه الآية قوله تعالى : وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [ العنكبوت : 26 ] والمعنى أهجر دار الكفر أي أذهب إلى موضع دين ربي ، وقوله : « سيهدين » أي إلى حيث أمرني بالمصير إليه وهو الشام ، وهذا يدل على أن الهداية لا تحصل إلّا من اللّه تعالى . ولا يمكن حمله على وضع الأدلّة وإزاحة الأعذار لأن ذلك كان حاصلا في الزمان والماضي ، قال مقاتل : فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال : « رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ » أي هب لي ولدا صالحا ، لأن لفظ الهبة غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [ مريم : 53 ] . قوله تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 101 إلى 111 ] فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ( 101 ) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) « فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ » في كبره ففيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش وينتهي إلى سنّ يوسف
--> ( 1 ) الرازي المرجع السابق . ( 2 ) ما بين الأقواس زيادة من تفسير الرازي المشار إليه أعلى . ( 3 ) انظر : القرطبي 15 / 97 . ( 4 ) قاله في معاني القرآن وإعرابه 4 / 310 . ( 5 ) في ب : الكفاية . ( 6 ) ما بين القوسين كله سقط من ب بسبب انتقال النظر . ( 7 ) في ب : الحاجة .