عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
280
اللباب في علوم الكتاب
الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفئ فكذلك ههنا « 1 » . قوله : « لا يَسَّمَّعُونَ » قرأ الأخوان وحفص بتشديد السين ( فالميم ) « 2 » والأصل يستمعون فأدغم ، والباقون بالتخفيف « 3 » فيهما . واختار أبو عبيد الأولى وقال : لو كان مخففا لم يتعد بإلى « 4 » . وأجيب عنه بأن معنى الكلام لا يسمعون إلى الملأ ، وقال مكي : لأنه جرى مجرى مطاوعه وهو يسّمّعون فكما كان يسمع يتعدى « 5 » « بإلى » تعدى سمع بإلى ، وفعلت وافتعلت في التعدي سواء فتسمع مطاوع سمع واستمع أيضا مطاوع سمع فتعدى سمع تعدّي مطاوعه « 6 » . وهذه الجملة منقطعة عما قبلها ولا يجوز فيها أن تكون صفة لشيطان على المعنى إذ يصير « 7 » التقدير : من كلّ شيطان مارد غير سامع أو مستمع وهو فاسد ، ولا يجوز أن يكون جوابا لسؤال سائل : لم تحفظ من الشياطين ؟ إذ يفسد معنى ذلك « 8 » . وقال بعضهم : أصل الكلام لئلا يسمعوا فحذفت « اللام وأن » فارتفع الفعل وفيه تعسف « 9 » . وقد وهم أبو البقاء فجوّز أن تكون صفة وأن تكون حالا وأن تكون مستأنفة « 10 » فالأولان ظاهرا الفساد والثّالث إن عني به الاستئناف « 11 » البياني فهو فاسد أيضا . وإن أراد الانقطاع على ما تقدم فهو صحيح « 12 » . فصل [ في معنى الآية : « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ » ] واحتجوا لقراءة التخفيف بقوله تعالى : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ الشعراء : 212 ] . وروى مجاهد عن ابن عباس : أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى ثم يمنعون ولا يسمعون وللأولين أن يجيبوا فيقولوا التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضا عن التسمع « 13 » بدلالة هذه الآية بل هذا أقوى في ردع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء فإن الذي منع من الاستماع بأن يكون ممنوعا
--> ( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) من القراءات المتواترة انظر : السبعة 547 والإتحاف 368 ، والقرطبي 15 / 65 والنشر 2 / 356 ومعاني الفراء 2 / 383 . ( 4 ) القرطبي 15 / 65 والسمين 4 / 539 . ( 5 ) في ب : تعدى . ( 6 ) قاله في مشكل إعراب القرآن 2 / 234 ، وانظر أيضا الكشف له 2 / 222 . ( 7 ) في ب : يعتبر . ( 8 ) هذا توجيه الزمخشري في الكشاف 3 / 335 و 336 وأبي حيان في البحر 7 / 252 و 353 وانظر : الدر المصون 4 / 539 . ( 9 ) نقلته المراجع الثلاثة السابقة . ( 10 ) التبيان 1088 . ( 11 ) هو أن تكون الثانية - أي الجملة الثانية - بمنزلة جواب لسؤال اقتضته الجملة الأولى ، الإيضاح للقزويني 115 - 117 وهذا ليس منه بالطبع . ( 12 ) الكشاف 3 / 336 والدر المصون 4 / 540 . ( 13 ) في ب : التسميع .