عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

234

اللباب في علوم الكتاب

ولكن المبالغة في هذا الوجه أتمّ . فكذلك ههنا . فإن قيل : قولهم : « مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ » كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذّمّ ؟ . فالجواب : لأن مرادهم كان الإنكار لقدرة اللّه أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة اللّه وكلاهما فاسد فبيّن اللّه ذلك بقوله : « مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » فإنه يدل على قدرته ويصحّح « 1 » أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزانته مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء ، ولا يجوز أن يقول من في يده مال : في خزانتك أكثر مما في يدي أعطه منه « 2 » . قوله : « مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ » مفعول « أنطعم » و « أطعمه » جواب « لو » وجاء على أحد الجائزين ( و ) « 3 » هو تجرده من اللام . والأفصح « 4 » أن يكون بلام « 5 » ، نحو : لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً « 6 » [ الواقعة : 65 ] قوله : « إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » يقول الكفار للمؤمنين : ما أنتم إلا في خطأ بيّن « 7 » في اتّباعكم محمدا وترك ما نحن عليه وهذا إشارة إلى أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة اللّه ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد . فصل [ في ورود « إن » ] اعلم أنّ « إن » وردت للنفي بمعنى « ما » وكان الأصل في « إن » أن تكون للشرط والأصل في « ما » أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتعارضا « 8 » . واستعمل « ما » في الشرط ، واستعمل « إن » في النفي . أما وجه اشتراكهما فهو أن كل واحدة منهما حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الألف والميم من النون ولا بد أن يكون المعنى الذي يدخل عليه « ما » و « إن » لا يكون ثابتا أما في « ما » فظاهر وأما في « إن » فلأنك إذا قلت : « إن جاء زيد أكرمه » ينبغي أن لا يكون منه في الحال ( مجيء ) « 9 »

--> ( 1 ) في « ب » صحح وما في الرازي موافق لما هنا أعلى . ( 2 ) انظر : تفسير الإمام فخر الدّين الرازي 26 / 84 و 85 . ( 3 ) سقط من ب . ( 4 ) نقول : إن حكمه كقول اللّه - عزّ وجلّ - اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فكانت القاعدة تقتضي القول استحاذ كاستجاب واستعاذ لكنا نقول : إنه شاذ قياسا فصيح استعمالا فكان على المؤلف أن يذكر بدل الأفصح الأكثر . ( 5 ) حيث إنّ الجواب ماض مثبت غير منفي وإذا كان كذلك كانت اللام هي الكثيرة وبدونها يكون قليلا . ( 6 ) وجاء من حيث القلة قوله : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً 69 من نفس السورة . ( 7 ) في ب مبين . ( 8 ) أي أخذ كل منهما من الآخر شيئا فأصبحا متعارضين . وفي ب « فتعارضا » . تحريف . ( 9 ) سقط من ب وفي الرازي 26 / 85 : « أن لا يكون له في الحال مجيء » ، وانظر : تفسير الإمام الفخر الرازي 26 / 85 .