عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
484
اللباب في علوم الكتاب
يعني الأشباه فضلوا عن الحق « فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا » إلى الهدى ومخرجا عن الضلالة . وبيان وجه الجواب كأنه تعالى قال : انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها : لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا « 1 » القدح في نبوّتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلا البتّة ، إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول « 2 » . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 10 إلى 14 ] تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 10 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 ) قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الآية وهذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة « 3 » ، أي : تبارك الّذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك الذي قالوا ، وأفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا ، أي : أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه ، ولكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح ، أو على وفق المشيئة « 4 » ، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله « 5 » . قال ابن عباس : « خَيْراً مِنْ ذلِكَ » أي : مما عيّروك بفقد الجنة الواحدة ، وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة . وقال في رواية عكرمة : « خَيْراً مِنْ ذلِكَ » أي : من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش « 6 » . وقوله : « إن شاء » معناه : أنه تعالى قادر على ذلك لا أنه شاكّ ، لأن الشك لا يجوز على اللّه تعالى . وقيل : « إن » ههنا بمعنى ( قد ) ، أي : قد « 7 » جعلنا لك في الآخرة جنات ومساكن ، وإنما أدخل ( إن ) تنبيها للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته ، وأنه معلق على محض مشيئته ، وليس لأحد من العباد حق على اللّه لا في الدنيا ولا في الآخرة « 8 » . قوله : « جنّات » . يجوز أن يكون بدلا من « خيرا » « 9 » وأن يكون عطف بيان لذلك الخير عند من يجوزه في النكرات « 10 » ، وأن يكون منصوبا بإضمار أعني . و « تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » صفة . قوله : « ويجعل لك » قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع « يجعل » ، والباقون
--> ( 1 ) في ب : وأراد . وهو تحريف . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 24 / 52 . ( 3 ) الشبهة : مكرر في الأصل . ( 4 ) في ب : السنة . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 24 / 53 . ( 6 ) المرجع السابق . ( 7 ) قد : سقط من ب . ( 8 ) انظر الفخر الرازي 24 / 53 - 54 . ( 9 ) انظر التبيان 2 / 981 . ( 10 ) وهو مذهب الكوفيين والفارسي والزمخشري . الهمع 2 / 121 .