عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

473

اللباب في علوم الكتاب

بقضية معلومة ، وإذا كان كذلك فالقوم ما كانوا عالمين بأنه - سبحانه - الذي نزل الفرقان . فالجواب : أنه لما ظهر الدليل على كونه من عند اللّه ، فلقوة الدليل وظهوره أجراه مجرى المعلوم « 1 » . فصل : [ : وصف القرآن بالفرقان لأنه فرق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام ] وصف القرآن بالفرقان ، لأنه فرق بين الحق والباطل في نبوة محمد - عليه السلام « 2 » - وبين الحلال والحرام ، أو « 3 » لأنه فرق في النزول كقوله : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [ الإسراء : 106 ] ، وهذا أقرب ، لأنه قال : « نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ » ولفظة « نزل » تدل على التفريق ، ولفظة « أنزل » تدل على الجمع ، ولهذا قال في سورة آل عمران : « نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » ) « 4 » وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ « 5 » [ آل عمران : 3 ] . والمراد بالعبد ههنا محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم « 6 » - . قوله : « ليكون » . اللام متعلقة ب « نزّل » ، وفي اسم « يكون » ثلاثة أوجه : أحدها : أنه ضمير يعود على « الّذي نزّل » ، أي : ليكون الذي نزل الفرقان نذيرا « 7 » . الثاني : أنه يعود على « الفرقان » وهو القرآن ، أي : ليكون الفرقان نذيرا « 8 » ( أضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي [ الإسراء : 9 ] وهذا بعيد ؛ لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف ، ووصف القرآن به مجاز ، وحمل الكلام على الحقيقة أولى « 9 » ) « 10 » . الثالث : أنه يعود على « عبده » ، أي : ليكون عبده محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - نذيرا « 11 » . وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة ، لقربه مما يعود عليه الضمير على أقرب مذكور . و « للعالمين » متعلق ب « نذيرا » ، وإنما قدم لأجل الفواصل ، ودعوى إفادة الاختصاص بعيدة ، لعدم تأتيها هنا ، ورجح أبو حيان عوده على « الذي » ، قال : لأنه العمدة المسند إليه الفعل ، وهو من وصفه تعالى كقوله : إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [ الدخان : 3 ] ، و « نذيرا » الظاهر فيه أنه بمعنى منذر ، وجوّزوا أن يكون مصدرا بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار ، ومنه فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ « 12 » [ القمر : 16 ] فإن قوله : « تبارك » يدل على كثرة

--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 24 / 45 . ( 2 ) في ب : صلّى اللّه عليه وسلّم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم . ( 3 ) أو : سقط من ب . ( 4 ) ما بين القوسين سقط من النسختين . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 24 / 45 . ( 6 ) المرجع السابق . ( 7 ) انظر التبيان 2 / 980 . ( 8 ) انظر مشكل إعراب القرآن 2 / 129 ، الكشاف 3 / 88 ، تفسير ابن عطية 11 / 3 ، التبيان 2 / 980 . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 24 / 45 . ( 10 ) ما بين القوسين سقط من الأصل . ( 11 ) انظر مشكل إعراب القرآن 2 / 129 ، الكشاف 3 / 88 ، تفسير ابن عطية 11 / 3 ، التبيان 2 / 980 . ( 12 ) البحر المحيط 6 / 480 .