عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

468

اللباب في علوم الكتاب

منها : أن الإضمار خلاف الأصل . وفيه نظر ، لأنّ هذا الإضمار في قوة المنطوق به ، فلا يقال : هو خلاف الأصل ، ألا ترى أن نحو : « قم » و « ليقم » فاعله مضمر ، ولا يقال في شيء منه هو خلاف الأصل ، وإنما الإضمار خلاف الأصل « 1 » فيما كان حذفا نحو : « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » « 2 » . ومنها : أنّ هذا الضمير لا مرجع له ، أي : ليس له شيء يعود عليه ، فبطل أن يكون الفاعل ضميرا مستترا . وأجيب بأن الذي يعود عليه الضمير هو الموصول الأول « 3 » ، أي : فليحذر المتسلّلون المخالفين « 4 » عن أمره ، فيكونون قد أمروا بالحذر منهم ، أي : أمروا باجتنابهم ، كما يؤمر باجتناب الفسّاق . وردّوا هذا بوجهين : أحدهما : أنّ الضمير مفرد « 5 » ، والذي « 6 » يعود عليه جمع ، ففاتت المطابقة التي هي شرط في تفسير الضمائر . الثاني : أن المتسلّلين هم المخالفون ، فلو أمروا بالحذر عن الذين يخالفون لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم ، وهو لا يجوز ، لأنه لا يمكن أن يؤمروا بالحذر عن أنفسهم . ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الضمير وإن كان مفردا فإنما عاد على جمع باعتبار أن المعنى : فليحذر هو ، أي : من ذكر قبل ذلك ، وحكى سيبويه : « ضربني وضربت قومك » أي : ضربني من ثمّ ومن ذكر « 7 » ، وهي مسألة معروفة في النحو . أو « 8 » يكون التقدير : فليحذر كلّ واحد من المتسللين . وعن الثاني : بأنه يجوز أن يؤمر الإنسان بالحذر عن نفسه مجازا ، يعني : أنه لا يطاوعها على « 9 » شهواتها ، وما تسوّله له من السوء « 10 » ، وكأنه قيل : فليحذر المخالفون أنفسهم فلا يطيعوها فيما تأمرهم به ، ولهذا يقال : أمر نفسه ونهاها ، وأمرته نفسه باعتبار المجاز « 11 » .

--> ( 1 ) في ب : الأمثلة . وهو تحريف . ( 2 ) [ يوسف : 82 ] . يشير إلى تقدير مضاف ليصح إيقاع الفعل على المفعول ، أي : واسأل أهل القرية . ( 3 ) وهو قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ . ( 4 ) في ب : المخالفون . وهو تحريف . ( 5 ) في ب : بمفدر . ( 6 ) والذي سقط من ب . ( 7 ) قال سيبويه : ( وقد يجوز ضربت وضربني زيدا ، لأنّ بعضهم قد يقول متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا ، والوجه متى رأيت أو قلت زيد منطلق . ومثل ذلك في الجواز ضربني وضربت قومك والوجه أن تقول : ضربوني وضربت قومك فتحمله على الآخر . فإن قلت : ضربتي وضربت قومك ، فجائز ، وهو قبيح ، أن تجعل اللفظ كالواحد ، كما تقول : هو أحسن الفتيان وأجمله وأكرم بنيه وأنبله . ولا بدّ من هذا ، لأنه لا يخلو الفعل من مضمر أو مظهر مرفوع من الأسماء ، كأنك قلت إذا مثلته ضربني من ثمّ وضربت قومك ، ونزل ذلك أجود وأحسن ، للتبيان الذي يجيء بعده ، فأضمر من ذلك ) الكتاب 1 / 79 - 80 . ( 8 ) في ب : و . ( 9 ) في ب : في . ( 10 ) السوء : سقط من ب . ( 11 ) في ب : مجاز .