عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
458
اللباب في علوم الكتاب
منقول عن قتادة ، وأنكره الجمهور ، ثم اختلفوا : فقيل : كان ذلك في صدر الإسلام ، فنسخ بقوله عليه السلام « 1 » : « لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه » « 2 » ويدل على هذا النسخ قوله تعالى : « لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ » « 3 » وكان في أزواج الرسول « 4 » من لهنّ الآباء والأخوات ، فعم بالنهي عن دخول بيوتهن إلا بالإذن « 5 » في الأكل . فإن قيل : إنما أذن اللّه تعالى في هذه الآية ، لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا في بيوتهم ، حضروا أو غابوا ، فجاز أن يرخص في ذلك ؟ فالجواب « 6 » : لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص « 7 » هؤلاء الأقارب بالذكر معنى ، لأن غيرهم كهم في ذلك . وقال أبو مسلم : المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين ، لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله : « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » « 8 » ثم إنه تعالى أباح في هذه الآية ما حظره هناك ، قال : ويدل عليه أن في هذه السورة ( أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال : « حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها » « 9 » وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك ، بل ) أمر أن يسلموا على أنفسهم ، فالمقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات . وقيل : لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم ، والعادة كالإذن ، فيجوز أن يقال : خصهم اللّه بالذكر لأن هذه العادة في الأصل توجد منهم ، ولذلك ضم إليهم « 10 » الصديق ، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت لأجل حصول الرضا فيها ، فلا حاجة إلى النسخ « 11 » . قوله : « أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ » . قال ابن عباس : عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته ، ولا يحمل ولا يدخر ، وملك المفتاح : كونه في يده وحفظه « 12 » قال المفضل : « المفاتح » واحدها « مفتح » بفتح الميم ، وواحد
--> ( 1 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد 5 / 72 . ( 3 ) [ الأحزاب : 53 ] . ( 4 ) في ب : النبي . ( 5 ) في ب : بإذن . ( 6 ) في ب : والجواب . ( 7 ) في ب : التخصيص . ( 8 ) [ المجادلة : 22 ] . ( 9 ) [ النور : 27 ] . ( 10 ) في النسختين : إليها . والتصويب من الفخر الرازي . ( 11 ) انظر الفخر الرازي 24 / 35 - 36 . ( 12 ) انظر الفخر الرازي 24 / 36 - 37 .