عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
39
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أن من كان يظن في المعنى مغيظ « 1 » لا غائظ . وهذا بحث حسن « 2 » . فصل : [ في معنى الآية : « مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ . . . » ] « 3 » المعنى : من كان يظن أن لن ينصر اللّه نبيه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ، والسبب الحبل ، والسماء سقف البيت هذا قول الأكثرين ، أي : ليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت ، ثم ليقطع الحبل بعد الاختناق . وقيل : سمي الاختناق قطعا . وقيل : ليقطع ، أي : ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا « فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ » صنيعه وحيلته ، أي : هل يذهبن كيده وحيلته غيظه . والمعنى : فليختنق غيظا حتى يموت ، وليس هذا على سبيل الحتم أن يفعل لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت ، ولكنه كما يقال للحاسد إذا لم ترض بهذا فاختنق ومت غيظا . وقا ابن زيد : المراد من السماء : السماء المعروفة . ومعنى الآية : من كان يظن أن لا ينصر اللّه نبيه ، ويكيد في أمره ليقطعه عنه ، فليقطعه من أصله ، فإن أصله من السماء ، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل . فصل : [ فيمن نزلت هذه الآية ] روي أن هذه « 4 » الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان دعاهم النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى الإسلام ، وكان بينهم وبين اليهود حلف ، وقالوا : لا يمكننا أن نسلم لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود فلا يميروننا ولا يؤووننا « 5 » فنزلت هذه الآية وقال مجاهد : النصر يعني الرزق ، والهاء راجعة إلى « من » ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه اللّه في الدنيا والآخرة . نزلت فيمن أساء الظن باللّه - عز وجل « 6 » - وخاف أن لا يرزقه « فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ » أي : سماء البيت ، « فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ » فعله ذلك ما يغيظ وهو خيفة « 7 » أن لا يرزق . وقد يأتي النصر بمعنى الرزق تقول العرب : من ينصرني نصره اللّه ، أي من يعطيني أعطاه اللّه « 8 » . قال أبو عبيدة « 9 » : تقول العرب : أرض منصورة ، أي : ممطورة « 10 » وعلى « 11 » كل الوجوه فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه .
--> ( 1 ) في ب : يغيظ . وهو تحريف . ( 2 ) الدر المصون : 5 / 67 . ( 3 ) هذا الفصل نقله ابن عادل عن البغوي 5 / 560 بتصرف يسير . ( 4 ) من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 5 / 560 - 561 . ( 5 ) في ب : ولا يؤذننا . وهو تحريف . ( 6 ) في ب : تعالى . ( 7 ) في الأصل : خنقه . وفي ب : صفة . والتصويب من البغوي . ( 8 ) اللسان ( نصر ) . ( 9 ) في ب : أبو عبيد . ( 10 ) آخر ما نقله هنا عن البغوي 5 / 560 - 561 . ( 11 ) في الأصل : على .