عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

317

اللباب في علوم الكتاب

كنت ألممت بذنب « 1 » فاستغفري اللّه وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب اللّه عليه قالت : فلمّا قضى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - مقالته قلص دمعي « 2 » حتى ما أحسّ منه قطرة ، ( فقلت ) « 3 » لأبي : أجب عني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما قال . فقال : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه . فقلت لأمي : أجيبي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقالت أمي : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقلت وأنا جارية حديثة السّن لا أقرأ من القرآن كثيرا : إني واللّه لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم : إني بريئة لا تصدقوني ، ولئن اعترفت لكم بأمر واللّه يعلم أني منه بريئة لتصدقونني ، فو اللّه لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال : « فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون » « 4 » ثم تحولت واضطجعت على فراشي واللّه يعلم وأنا أعلم أني حينئذ بريئة ، وأن اللّه مبرئي ببراءتي ، ولكن واللّه ما كنت أظن أن اللّه منزل في شأني وحيا يتلى ، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللّه فيّ بأمر ، ولكني كنت أرجو أن يرى « 5 » رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - رؤيا يبرئني اللّه بها ، فو اللّه ما قام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللّه على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء « 6 » عند الوحي حتى إنه ليتحدر « 7 » فيه العرق مثل الجمان « 8 » في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه . قالت : فسري « 9 » عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو يضحك ، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال : « يا عائشة ، أما اللّه قد برأك » قالت : فقالت لي أمي : قومي إليه . فقلت : فو اللّه لا أقوم إليه ، فإني لا أحمد إلا اللّه . قالت : وأنزل اللّه « إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ . . » العشر آيات . فقال أبو بكر : واللّه لا أنفق على مسطح بعدها ، وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره ، فأنزل اللّه : « وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ . . . » « 10 » إلى قوله : « غَفُورٌ رَحِيمٌ » . فلما سمع أبو بكر قوله تعالى : « أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ » « 10 » قال أبو بكر : واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي . فرجع إلى النفقة على مسطح وقال : واللّه لا أنزعها منه أبدا . قال : فلما نزل عذري قام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فذكر

--> ( 1 ) أي : إن كنت فعلت ذنبا وليس ذلك لك بعادة ، وقيل معناه : قاربت . شرح النووي 17 / 111 ، اللسان ( لمم ) . ( 2 ) أي : ارتفع وذهب لاستعظام ما يعيبني من الكلام . شرح النووي 17 / 111 ، اللسان ( قلص ) . ( 3 ) ما بين القوسين مكرر في الأصل . ( 4 ) [ يوسف : 18 ] . ( 5 ) في الأصل : يرى اللّه . ( 6 ) البرحاء : الشدة والمشقة ، وقيل : شدة الحمى ، وقيل شدة الكرب من ثقل الوحي . اللسان ( برح ) . ( 7 ) أي : ليتصبب . ( 8 ) الجمان : اللؤلؤ ، وحب يصاغ من الفضة على شكل اللؤلؤ ، شبهت حبات عرقه - صلّى اللّه عليه وسلّم - باللؤلؤ في الصفاء والحسن . اللسان ( جمن ) شرح النووي 17 / 112 . ( 9 ) أي : كشف وأزيل . ( 10 ) من الآية ( 22 ) من السورة نفسها .