عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

276

اللباب في علوم الكتاب

وعلى هذا فالضمير في « أنزلناها » ليس عائدا على « سورة » بل على الأحكام ، كأنه قيل : أنزلنا الأحكام سورة من سور القرآن ، فهذه الأحكام ثابتة بالقرآن بخلاف غيرها فإنه قد ثبت بالسّنّة « 1 » ، وتقدم معنى الإنزال . قوله « 2 » : « وَفَرَضْناها » قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد « 3 » . والباقون بالتخفيف « 4 » . فالتشديد إمّا للمبالغة في الإيجاب وتوكيد ، وإمّا لتكثير المفروض عليهم ، وإمّا لتكثير الشيء المفروض . والتخفيف بمعنى : أوجبناها وجعلناها مقطوعا بها . وقيل : ألزمناكم العمل بها وقيل : قدرنا ما فيها من الحدود . والفرض : التقدير ، قال اللّه ( تعالى ) « 5 » : « فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ » « 6 » أي : قدرتم ، « إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ » « 7 » . ثم إنّ السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود ، وتحصيل الحاصل محال ، فوجب أن يكون المراد : فرضنا ما بيّن فيها من الأحكام « 8 » ، ثم قال : « وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ « 9 » بَيِّناتٍ » واضحات . « لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » تتعظون ، وأراد ب « الآيات » ما ذكر في السورة من الأحكام والحدود ودلائل التوحيد . وقرىء « تذكّرون » بتشديد الذال وتخفيفها « 10 » . وتقدم معنى « لعلّ » في سورة البقرة « 11 » . قال القاضي : « لعلّ » بمعنى « كي » « 12 » . فإن قيل : الإنزال يكون من صعود إلى نزول ، وهذا يدل على أنه تعالى في جهة ؟ فالجواب : أن جبريل كان يحفظها من اللوح ثم ينزلها « 13 » على النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقيل : « أنزلناها » توسعا . وقيل : إن اللّه تعالى أنزلها من أم الكتاب إلى السماء الدنيا دفعة واحدة ، ثم أنزلها بعد ذلك على لسان جبريل - عليه السلام « 14 » - .

--> ( 1 ) في ب : بالنسبة . وهو تحريف . ( 2 ) قوله : سقط من ب . ( 3 ) في ب : بالتشد . ( 4 ) السبعة ( 452 ) ، الحجة لابن خالويه ( 259 ) ، الكشف 2 / 133 ، النشر 2 / 330 ، الإتحاف 322 . ( 5 ) ما بين القوسين سقط من الأصل . ( 6 ) من قوله تعالى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [ البقرة : 237 ] . ( 7 ) [ القصص : 85 ] . ( 8 ) الفخر الرازي 23 / 130 . ( 9 ) آيات : سقط من ب . ( 10 ) الكشاف 3 / 59 . ( 11 ) عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] . ( 12 ) انظر الفخر الرازي 13 / 131 . ( 13 ) في ب : ينزل بها . ( 14 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .