عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
273
اللباب في علوم الكتاب
باطلا ، لأنه « لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ » لا حجّة ولا بيّنة ، لأنه لا حجّة في دعوى الشرك ، وهذا يدل على صحة النظر وفساد التقليد . ثم قال : « فَإِنَّما حِسابُهُ » أي : جزاؤه عند ربه يجازيه بعمله كما قال : « إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ » « 1 » كأنّه قال : إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلّا اللّه « 2 » . قوله : « إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ » فشتّان ما بين فاتحة السورة وخاتمتها . قرأ الجمهور بكسر همزة ( إنّه ) على الاستئناف المفيد للعلة « 3 » . وقرأ الحسن وقتادة « أنّه » بالفتح « 4 » ، وخرّجه الزمخشري على أن يكون خبر « حسابه » قال : ومعناه حسابه عدم الفلاح ، والأصل حساب أنّه لا يفلح هو ، فوضع الكافرون في موضع الضمير ، لأن « من يدع » في موضع الجمع ، وكذلك حسابه أنّه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون « 5 » . انتهى . ويجوز أن يكون ذلك على حذف حرف العلة أي : لأنّه لا يفلح « 6 » . وقرأ الحسن : « لا يُفْلِحُ » « 7 » مضارع ( فلح ) بمعنى ( أفلح ) ( فعل ) و ( أفعل ) فيه بمعنى ، واللّه أعلم . فصل المعنى لا يسعد من جحد وكذّب ، وأمر الرسول بأن يقول : « رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ » ويثني عليه بأن « خَيْرُ الرَّاحِمِينَ » ، وقد تقدّم بيان كونه « أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » « 8 » . فإن قيل : كيف اتصال هذه الخاتمة بما قبلها ؟ فالجواب : أنّه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى اللّه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته ، فإنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات « 9 » . روي أنّ أوّل سورة ( قد أفلح ) وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها ، واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح « 10 » . وروى الثعلبي في تفسيره عن أبي بن كعب قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالرّوح والرّيحان ، وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت » « 11 » .
--> ( 1 ) [ الغاشية : 26 ] . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 129 . ( 3 ) انظر التبيان 2 / 962 ، البحر المحيط 6 / 425 . ( 4 ) المختصر ( 99 ) ، المحتسب 2 / 98 ، الكشاف 3 / 58 ، البحر المحيط 6 / 425 . ( 5 ) الكشاف 3 / 58 . ( 6 ) انظر التبيان 2 / 962 . ( 7 ) المختصر ( 99 ) ، البحر المحيط 6 / 425 . ( 8 ) عند قوله تعالى : وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ الأنبياء : 38 ] . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 129 . ( 10 ) انظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ( 116 ) ، وفيه قال ابن حجر لم أجده . ( 11 ) انظر الكافي الشاف ( 116 ) .