عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

264

اللباب في علوم الكتاب

وهذا الضلال الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه ، وهو باطل ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال ( عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم ، وما ذلك إلا خلق الداعي إلى الضلال ) « 1 » . ثم إن القوم لما اعتذروا بهذين العذرين ، قالوا : « رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها » أي : من النار « فَإِنْ عُدْنا » لما أنكرنا « فَإِنَّا ظالِمُونَ » فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال : « اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ » . فإن قيل : كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أن عقابهم دائم ؟ قلنا : يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة . ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح « 2 » . قوله : « اخْسَؤُا فِيها » أقيموا فيها ، كما يقال للكلب إذا طرد اخسأ ؛ أي : انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زجرت ، يقال : خسأ الكلب وخسأ بنفسه « 3 » . « وَلا تُكَلِّمُونِ » في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم ، وليس هذا نهيا ، لأنه لا تكليف في الآخرة « 4 » . قال « 5 » الحسن : هو آخر كلام يتكلم به أهل النار ، ثم لا يتكلمون بعده إلا الشهيق والزفير . ويصير لهم عواء كعواء الكلب « 6 » لا يفهمون ولا يفهمون « 7 » . قوله تعالى : « إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي » الآية . العامة على كسر همزة ( إنه ) استئنافا « 8 » . وأبي والعتكي : بفتحها أي : لأنه « 9 » والهاء ضمير الشأن . قال البغوي : الهاء في إنه عماد ، وتسمى المجهولة أيضا « 10 » . قوله : « فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا » قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص « 11 » بكسر السين . والباقون : بضمها في الموضعين « 12 » . و ( سخريا ) مفعول ثان للاتخاذ « 13 » . واختلف في معناها فقال الخليل « 14 »

--> ( 1 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 2 ) آخر ما نقله عن الفخر الرازي 23 / 125 - 126 . ( 3 ) أي : أنه يتعدى ولا يتعدى . اللسان ( خسأ ) . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 126 . ( 5 ) في ب : وقال . ( 6 ) عوى الكلب والذئب يعوي عيا وعواء وعوة وعوية : لوى خطمه ، ثم صوت ، وقيل : مد صوته ولم يفصح . اللسان ( عوى ) . ( 7 ) انظر البغوي 6 / 44 . ( 8 ) انظر البحر المحيط 6 / 423 . ( 9 ) المختصر ( 99 ) ، المحتسب 2 / 98 ، البحر المحيط 6 / 423 . ( 10 ) البغوي 6 / 44 . ( 11 ) وهو قوله تعالى : أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ [ ص : 63 ] . ( 12 ) السبعة ( 448 ) ، الحجة لا بن خالويه ( 258 ) ، الكشف 2 / 131 ، النشر 2 / 329 . الإتحاف ( 321 ) . ( 13 ) انظر التبيان 2 / 961 . ( 14 ) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4 / 24 ، إعراب القرآن للنحاس 3 / 124 حجة أبي زرعة ( 492 ) ، البحر المحيط 6 / 423 .