عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
263
اللباب في علوم الكتاب
قال الزمخشري : « غَلَبَتْ عَلَيْنا » ملكتنا من قولك غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك ( وامتلكه ) « 1 » والشقاوة سوء العاقبة « 2 » . فصل : [ في أن طلبنا اللذّات المحرّمة وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة ] قال الجبائي « 3 » : المراد أن « 4 » طلبنا اللذات المحرمة ، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة ، فأطلق اسم المسبب على السبب ، وليس هذا باعتذار فيه ، لأن علمهم بأن لا عذر لهم فيه ثابت عندهم ، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم . وأجيب : بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذات المحرمة ، وطلب تلك اللذات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم ، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر ، فلم لا يجوز في كل الحوادث ذلك ؟ وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع ، وإن افتقر إلى محدث فمحدثه إما العبد أو الله ، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه : أحدها : أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك ، فإن توقف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر ، عاد الكلام فيه ، ولزم التسلسل ، وإن لم يتوقف على المرجح ، فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وذلك يسد باب إثبات الصانع . وثانيها : أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ، ولا كيفيتها ، والجاهل بالشيء لا يكون محدثا له ، وإلا لبطلت دلالة الأحكام ، ولا يقال علم العلم . وثالثها : أن أحدا في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل ، بل لا يقصد إلا ( ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلا ) « 5 » تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله ، ثم إن الداعية إذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة ، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة . وقال القاضي : قولهم « رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا » دليل على أنه لا عذر لهم لا عترأ فهم ، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته ، وعلموا ذلك ، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر . والجواب : قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك ، ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل : « اخْسَؤُا فِيها » « 6 » . والوجه « 7 » الثاني لهم « 8 » في الجواب : قولهم : « وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ » أي : عن الهدى ،
--> ( 1 ) وامتلكه : تكملة من الكشاف . ( 2 ) الكشاف 3 / 57 . ( 3 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 125 - 126 . ( 4 ) أن : سقط من ب . ( 5 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 6 ) من الآية ( 108 ) من السورة نفسها . ( 7 ) في ب : والجواب . وهو تحريف . ( 8 ) لهم : سقط من ب .