عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
256
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : أعمل بطاعة اللّه تعالى . وقيل : أعمل صالحا فيما قصّرت ، فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية ، وهذا أقرب ، لأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه « 1 » . فإن قيل : قوله تعالى : « لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً » كيف يجوز أن يسأل الرجعة مع الشك . فالجواب : ليس المراد ب « لعلّ » الشك فإنّه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطي ما « 2 » سأل ، فهو مثل من قصّر في حق نفسه ، وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير ، فيقول : مكنوني من « 3 » التدارك « 4 » لعلى أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازما بأنه سيتدارك . ويحتمل أيضا أنّ الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين فقد قال تعالى : « وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » « 5 » « 6 » . قوله : « كلّا » « 7 » كلمة ردع وزجر أي : لا ترجع . معناه المنع طلبوا « 8 » ، كما يقال لطالب الأمر المستبعد : هيهات . ويحتمل أن يكون ذلك إخبارا بأنهم يقولون ذلك ، وأنّ هذا الخبر حق ، فكأنّه تعالى قال : حقا إنّها كلمة هو قائلها . والأول أقرب « 9 » . قوله : « إِنَّها كَلِمَةٌ » من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله : « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد » « 10 » يعني قوله : 3810 - ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل « 11 » وقد تقدم طرف من هذا في آل عمران « 12 » . و « هُوَ قائِلُها » صفة ل « كلمة » .
--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 23 / 121 . ( 2 ) في ب : ما من . وهو تحريف . ( 3 ) من : سقط من ب . ( 4 ) الدرك : اللحاق ، وقد أدركه ، وتدارك القوم : تلاحقوا ، أي : لحق آخرهم أولهم . اللسان ( درك ) . ( 5 ) [ الأنعام : 28 ] . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 23 / 121 . ( 7 ) انظر مذاهب النحويين في هذه اللفظة في سورة مريم عند قوله تعالى : كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا الآية ( 79 ) . ( 8 ) في ب : فاطلبوا . وهو تحريف . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 121 . ( 10 ) أخرجه البخاري ( مناقب الأنصار ) 2 / 319 ، ومسلم ( شعر ) 4 / 1768 - 1769 ، ابن ماجة ( أدب ) 2 / 1236 . ( 11 ) صدر بيت من بحر الطويل قاله لبيد بن ربيعة ، وعجزه : وكلّ نعيم لا محالة زائل وقد تقدم . ( 12 ) عند قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 39 ] ، وقوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً من الآية ( 64 ) من السورة نفسها . انظر اللباب 2 / 228 ، 262 - 263 .