عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

246

اللباب في علوم الكتاب

وقال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل : وما تضرعوا ( أو ) « 1 » فما يستكينون . قلت : لأن المعنى محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة ، وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد « 2 » . فظاهر هذا أن ( حتى ) غاية لنفي الاستكانة والتضرع « 3 » . ومعنى الاستكانة طلب السكون ، أي : ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم ، وما تضرعوا بل مضوا على تمردهم . قوله : حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ . قرى « فتحنا » بالتشديد « 4 » . قال ابن عباس ومجاهد : يعني القتل يوم بدر . وقيل : الموت وقيل : قيام الساعة « 5 » . وقيل : الجوع . « إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ » آيسون من كل خير . وقرأ السلمي : « مبلسون » - بفتح اللام « 6 » - من أبلسه ، أي : أدخله في الإبلاس . قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ الآية . العطف لا يحسن إلا مع المجانسة ، فأي مناسبة بين قوله : « وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ » وبين ما قبله ؟ والجواب : كأنه تعالى لما بين مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة والاعتبار ، وتأمل الحقائق قال للمؤمنين : هو الذي أعطاكم هذه الأشياء وو فقكم لها تنبيها على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها « 7 » ، لقوله : « فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ » « 8 » » « 9 » وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال : « قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » . قال أبو مسلم : وليس المراد أن لهم شكرا وإن قل ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة : ما أقل شكر فلان « 10 » . ثم قال : « وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ » أي : خلقكم ، قال أبو مسلم : ويحتمل بسطكم « 11 » فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله « 12 » : « ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ » « 13 » أي : هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين ، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه ، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشرا إليه لا بمعنى المكان « 14 » . ثم قال : « وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » أي : نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة

--> ( 1 ) أو : تكملة من الكشف . ( 2 ) الكشاف 3 / 53 - 54 . ( 3 ) والتضرع : سقط من ب . ( 4 ) الكشاف 3 / 54 . ( 5 ) انظر البغوي 6 / 33 . ( 6 ) المختصر ( 98 ) ، البحر المحيط 6 / 416 . ( 7 ) في ب : دمها . وهو تحريف . ( 8 ) [ الأحقاف : 26 ] . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 115 . ( 10 ) المرجع السابق . ( 11 ) في ب : منشئكم . ( 12 ) في ب : لقوله . ( 13 ) [ الإسراء : 3 ] . ( 14 ) انظر الفخر الرازي 23 / 115 .