عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
242
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له ، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم ، فنسبوه إلى الجنون لذلك . والثاني : أنهم قالوا ذلك إيهاما لعوامهم لئلا ينقادوا له ، فذكروا ذلك استحقارا له « 1 » . ثم إنه - تعالى - بعد أن عد هذه الوجوه ، ونبه على فسادها قال : « بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ » أي : بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل « وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ » لأنهم تمسكوا بالتقليد ، وعلموا أنهم لو أقروا بمحمد لزالت رياستهم ومناصبهم ، فلذلك كرهواه « 2 » . فإن قيل « 3 » قوله : « وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ » يدل على أن أقلهم لا يكرهون الحق . فالجواب : أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه ، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق « 4 » . قوله : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ الجمهور على كسر الوا ولا لتقاء الساكنين وابن وثاب بضمها « 5 » تشبيها بواو الضمير كما كسرت وأو الضمير تشبيها بها « 6 » . فصل : [ في المراد ب « الحق » ] قال ابن جريج ومقاتل والسدي وجماعة : الحق هو الله . أي : لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل « 7 » وقيل : لو اتبع مرادهم ، فيسمي لنفسه شريكا وولدا كما يقولون « لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » « 8 » . وقال الفراء « 9 » والزجاج « 10 » : المراد بالحق : القرآن . أي : نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون « لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ » وهو كقوله : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 11 » » « 12 » .
--> ( 1 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 112 . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 112 . ( 3 ) في ب : قول . وهو تحريف . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 112 - 113 . ( 5 ) المختصر ( 98 ) ، المحتسب 2 / 97 ، تفسير ابن عطية 10 / 385 ، البحر المحيط 6 / 414 . ( 6 ) في قوله تعالى : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [ البقرة : 16 ] على أن بعضهم قد شبه وأو الجمع في « اشتروا » بواو « لَوِ اتَّبَعَ » هذه وحركها بالكسر ، فقرأ يحيى بن يعمر « اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ » * بكسر الواو . انظر المختصر ( 2 ) ، المحتسب 2 / 97 . ( 7 ) انظر البغوي 6 / 30 . ( 8 ) المرجع السابق . ( 9 ) قال الفراء : ( وقوله : « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ » يقال : إن « الحق » هو الله . ويقال : إنه التنزيل ، لو نزل بما يريدون « لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ » ) معاني القرآن 2 / 239 . ( 10 ) قال الزجاج : ( وقوله : « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ » جاء في التفسير أن « الحق » هو الله - عز وجل - ويجوز أن يكون « الحق » الأول في قوله : « بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ » التنزيل ، أي : بالتنزيل الذي هو الحق ، ويكون تأويل : « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ » أي : لو كان التنزيل بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 19 . ( 11 ) [ الأنبياء : 22 ] . ( 12 ) انظر البغوي 6 / 30 - 31 .