عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
241
اللباب في علوم الكتاب
وأصحابه « 1 » وقرأ زيد بن علي ، وابن محيصن ، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة « 2 » مضارع هجر بالتشديد ، وهو محتمل لأن يكون تضعيفا للهجر أو للهجر ( أو للهجر « 3 » ) « 4 » وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت ، وهو التفات « 5 » . قوله : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي : يتدبروا القول ، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مباينا لكلام العرب في الفصاحة ، ومبرأ من التناقض مع طوله ، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة الصانع ، والوحدانية ، فيتركوا الباطل « 6 » ، ويرجعوا إلى الحق « أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ » واعلم أن إقدامهم « 7 » على كفرهم وجهلهم لا بد وأن يكون لأحد أمور أربعة : الأول : أن لا يتأملوا دليل ثبوته ، وهو المراد من قوله : « أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ » وهو القرآن يعني : أنه كان معروفا لهم . والثاني : أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة ، وهو المراد من قوله : « أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ » وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة ، وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك ، أفما دعائهم « 8 » ذلك إلى تصديق الرسل . وقال بعضهم : « أم » هاهنا بمعنى « بل » والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم « 9 » . والثالث : أن لا يكونوا عالمين بديانته ، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة ، وهو المراد من قوله : أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ والمعنى : أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة ، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة ، وكانوا يسمونه الأمين ، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين . والرابع : أن يعتقدوا فيه الجنون ، فيقولوا إنما حمله على ادعاء الرسالة جنونه ، وهو المراد بقوله « أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ » . وهذا أيضا ظاهر الفساد ، لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس ، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة ، والشرائع الكاملة . وفي كونهم سموه بذلك وجهان :
--> ( 1 ) تفسير ابن عطية 10 / 381 . ( 2 ) المختصر ( 98 ) ، المحتسب 2 / 96 ، تفسير ابن عطية 10 / 381 - 382 ، البحر المحيط 6 / 413 . ( 3 ) المحتسب 2 / 97 ، تفسير ابن عطية 10 / 382 ، البحر المحيط 6 / 413 . ( 4 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 5 ) البحر المحيط 6 / 413 . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 23 / 112 . ( 7 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 112 . ( 8 ) في ب : دعاوهم . ( 9 ) انظر القرطبي 12 / 139 .