عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

236

اللباب في علوم الكتاب

أو من هذا الذي هو وصف المشفقين . « ولهم » أي : ولهؤلاء الكفار « أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ » أي : أعمال خبيثة من المعاصي « دون « 1 » ذلك » أي : سوى جهلهم وكفرهم . وقيل : « دون ذلك » يعني : من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها اللّه - عز وجل « 2 » - قال بعضهم : أراد أعمالهم في الحال . وقيل : بل أراد المستقبل لقوله : « هُمْ لَها عامِلُونَ » . وإنما قال : « هُمْ لَها عامِلُونَ » ، لأنها مثبتة في علم اللّه - تعالى - وفي اللوح المحفوظ ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة . وقال « 3 » أبو مسلم : هذه الآيات من صفات المشفين كأنه قال بعد وصفهم : « وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون « وَلَدَيْنا كِتابٌ » يحفظ أعمالهم « يَنْطِقُ بِالْحَقِّ » « لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا » هو أيضا وصف لهم بالحيرة كأنه قال : وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في أن أعمالهم مقبولة أو مردودة « وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ » أي : لهم أيضا من النوافل ووجوه البرّ سوى ما هم عليه إمّا أعمالا قد عملوها في الماضي ، أو سيعملوها في المستقبل ، ثم إنه تعالى رجع بقوله : « حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ » إلى وصف الكفار « 4 » وهذا قول قتادة . قال ابن الخطيب : وقول أبي مسلم أولى ، لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به كان أولى من ردّه إلى ما بعد خصوصا ، وقد يرغب المرء في فعل الخير « 5 » بأن يذكر أنّ أعمالهم محفوظة ، كما يحذر بذلك من الشر ، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة ، ويراد أنّه قد استولى عليه الفكر في قبوله أو ردّه ، وفي أنه هل أدّى عمله كما يجب أو قصّر ؟ فإن قيل : فما المراد بقوله : « من هذا » وهو إشارة إلى ماذا ؟ قلنا : إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم بيّن أنهما مستوليان على قلوبهم « 6 » . قوله : هُمْ لَها عامِلُونَ كقوله : « هُمْ لَها سابِقُونَ » . قوله : حَتَّى إِذا « حتّى » « 7 » هذه إمّا حرف ابتداء « 8 » والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها ، وإذا الثانية « 9 » فجائية ، وهي جواب الشرط ، وإمّا حرف جر عند بعضهم « 10 » ، وتقدّم تحقيقه . وقال الحوفي : « حتّى » غاية ، وهي عاطفة ، و « إذا » ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط ، و « إذا » الثانية في موضع جواب الأولى ، ومعنى الكلام عامل في

--> ( 1 ) في ب : من دون . ( 2 ) في ب : تعالى . ( 3 ) في الأصل : قال . ( 4 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 110 . ( 5 ) في الأصل : الغير . وهو تحريف . ( 6 ) الفخر الرازي 23 / 110 . ( 7 ) حتى : سقط من ب . ( 8 ) وهو رأي الجمهور . المغني 1 / 129 . ( 9 ) في ب : التامة . وهو تحريف . ( 10 ) وهو رأي الأخفش وابن مالك . المغني 1 / 129 .