عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
213
اللباب في علوم الكتاب
في قراءة العامة « 1 » . و « ما » في « لِما تُوعَدُونَ » تحتمل المصدرية ، أي : لوعدكم ، وأن تكون بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، أي : توعدونه . قوله : « إِنْ هِيَ » « هي » ضمير يفسره سياق الكلام ، أي : إن الحياة « 2 » إلا حياتنا « 3 » . وقال الزمخشري : هذا ضمير لا يعلم ما يراد به إلّا بما يتلوه من بيانه ، وأصله : إن الحياة « إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا » ، فوضع « هي » موضع « الحياة » « 4 » لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها ، ومنه : هي النّفس تتحمل ما حمّلت ، وهي العرب تقول ما شاءت « 5 » . وقد جعل بعضهم هذا القسم مما يفسر بما بعده لفظا ورتبة ، ونسبه إلى الزمخشري متعلقا بما نقلناه عنه . قال شهاب الدين : ولا تعلق له في ذلك « 6 » . قوله : « نَمُوتُ وَنَحْيا » جملة مفسرة لما ادّعوه من أنّ حياتهم ما هي إلا كذا . وزعم بعضهم أنّ فيها دليلا على عدم الترتيب في الواو « 7 » ، إذ المعنى : نحيا ونموت إذ هو الواقع . ولا دليل فيها لأنّ الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم جرّا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه . وقيل : نموت نحن ويحيا أبناؤنا . وقيل : القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي : نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت . فصل : [ في أن القوم طعنوا في نبوّته بكونه بشرا يأكل ويشرب ، ثم جعلوا طاعته خسرانا ] اعلم أنّ القوم طعنوا « 8 » في نبوّته بكونه بشرا يأكل ويشرب ، ثم جعلوا طاعته خسرانا : أي إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها نفع ، فذلك هو الخسران ، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر ، فقالوا : « أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ » معادون أحياء للمجازاة ، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى
--> ( 1 ) تقدم قريبا . ( 2 ) في النسختين : حالتكم . ( 3 ) في الأصل : كحياتنا . ( 4 ) في النسختين : حياتنا . ( 5 ) الشاهد في هذين القولين أن الضمير مبتدأ يفسر بالخبر ، وهو من المواضع التي يكون مفسر الضمير فيها مؤخرا ، وتقدم الحديث عن المواضع التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة . ( 6 ) لأن الزمخشري أراد أن المثالين يمكن حملهما على ذلك ، لأنه متعين فيهما . الدر المصون 5 / 88 . ( 7 ) الواو العاطفة لمطلق الجمع ، أي : الاجتماع في الفعل من غير تقييد بحصوله من كليهما في زمان أو سبق أحدهما فقولك جاء زيد وعمرو . يحتمل على السواء أنهما جاءا معا ، أو زيد جاء أولا أو آخرا ، ومن ورودها في المصاحب قوله تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ [ العنكبوت : 15 ] وفي السابق قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ [ الحديد : 26 ] وفي المتأخر قوله تعالى : كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [ الشورى : 3 ] . وقول السيرافي : إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب . مردود ، بل قال بإفادتها إياه قطرب والربعي والفراء وثعلب وأبو عمر الزاهد وهشام والشافعي . المغني 2 / 354 - 355 ، الهمع 2 / 128 - 129 . ( 8 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 99 .