عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

196

اللباب في علوم الكتاب

الشبهة الثالثة : قولهم : « ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ » فقولهم : « بهذا » إشارة إلى نوح - عليه السلام « 1 » - أي : بإرسال « 2 » بشر رسولا ، أو بهذا الذي يدعو إليه نوح وهو عبادة اللّه وحده ، لأنّ آباءهم كانوا يعبدون الأوثان ، وذلك أنهم كانوا لا يعوّلون في شيء من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول « 3 » الآباء ، فلمّا لم يجدوا في نبوة نوح - عليه السلام « 4 » - هذه الطريقة حكموا « 5 » بفسادها « 6 » . الشبهة الرابعة : قولهم : « إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ » أي : جنون ، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام « 7 » ، لأنه - عليه السلام « 8 » - كان يفعل أفعالا على خلاف عاداتهم ، فكان الرؤساء يقولون للعوام إنه مجنون ، فكيف يجوز أن يكون رسولا ؟ « 9 » الشبهة الخامسة : قولهم : « فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ » ، وهذا يحتمل أن يكون متعلقا بما قبله ، أي : أنه مجنون فاصبروا إلى زمان يظهر عاقبة أمره فإن أفاق وإلا فاقتلوه . ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا ، وهو أن يقولوا لقومهم : اصبروا فإنه إنه كان نبيا حقا فاللّه ينصره ويقوي « 10 » أمره فنتبعه حينئذ ، وإن كان كاذبا فاللّه يخذله ويبطل أمره فحينئذ نستريح منه « 11 » . واعلم أنه تعالى لم يذكر « 12 » الجواب على « 13 » هذه الشبه « 14 » لركاكتها ووضوح فسادها لأنّ كل عاقل يعلم أنّ الرسول لا يصير رسولا لكونه من جنس الملك وإنما يصير رسولا بتميزه عن غيره بالمعجزات ، فسواء كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند « 15 » ظهور « 16 » المعجز عليه يجب أن يكون رسولا ، بل جعل الرسول من البشر أولى لما تقدم من أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة . وأما قولهم : « يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ » فإن أرادوا إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الانقياد لطاعته فهذا واجب في الرسول ، وإن أرادوا أنه يترفع عليهم على سبيل التكبر فالأنبياء منزهون عن ذلك . وأما قولهم : « ما سَمِعْنا بِهذا » فهو استدلال بعدم التقليد ( على عدم وجود الشيء ، وهو في غاية السقوط ، لأنّ وجود التقليد ) « 17 » لا يدل على وجود الشيء ، فعدمه من أين يدل على عدمه . وأما قولهم : « بِهِ جِنَّةٌ » فكذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله . وأما قولهم : « فتربّصوا » فضعيف ، لأنه إن ظهرت « 18 » الدلالة على نبوته ، وهي المعجزة ،

--> ( 1 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 2 ) في ب : إرسال . ( 3 ) قول : سقط من الأصل . ( 4 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 5 ) في ب : حكموها . وهو تحريف . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 23 / 93 . ( 7 ) في ب : العام . وهو تحريف . ( 8 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 93 . ( 10 ) في ب : وقوى . وهو تحريف . ( 11 ) انظر الفخر الرازي 23 / 93 . ( 12 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 93 - 94 . ( 13 ) في ب : عن . ( 14 ) في ب : الشبهة . وهو تحريف . ( 15 ) في ب : فقد . وهو تحريف . ( 16 ) في النسختين : ظهر . والصواب ما أثبته . ( 17 ) ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي . ( 18 ) في ب : ظهر .