عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

194

اللباب في علوم الكتاب

و « للآكلين » صفة ، والمعنى : إدام للآكلين . فنبّه تعالى على إحسانه بهذه الشجرة ، لأنها تخرج الثمرة التي يكثر الانتفاع بها ، وهي طرية ومدخرة ، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها ، ويعظم وجوه الانتفاع به « 1 » . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 21 إلى 25 ] وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 21 ) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 23 ) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 24 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ( 25 ) قوله تعالى : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً الآية ، لما ذكر النعم الحاصلة من الماء والنبات ، ذكر بعده النعم الحاصلة من الحيوان ، فذكر أنّ فيها عبرة مجملا ثم فصله من أربعة أوجه : أحدها : قوله : « نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها » المراد منه جميع وجوه الانتفاع ، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع ، وتخلص من بين الفرث والدم بإذن اللّه - تعالى - فتستحيل إلى طهارة ولون وطعم موافق للشهوة ، وتصير غذاء ، فمن استدل بذلك على قدرة اللّه وحكمته ، فهو من النعم الدينية ، ومن انتفع به فهو من النعم الدنيوية . وأيضا : فهذه الألبان التي تخرج من بطونها إذا ذبحت لم تجد لها أثرا ، وذلك دليل على عظم قدرة اللّه . وتقدم الكلام في « نسقيكم » في النحل « 2 » وقرىء « تسقيكم » بالتاء من فوق مفتوحة « 3 » ، أي : تسقيكم الأنعام . وثانيها : قوله : « وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ » أي : بالبيع ، والانتفاع بأثمانها . وثالثها : قوله - تعالى « 4 » - : « وَمِنْها تَأْكُلُونَ » أي : كما تنتفعون بها وهي حيّة تنتفعون بها بعد الذبح بالأكل . ورابعها : قوله : « وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ » أي : على الإبل في البر وعلى الفلك في البحر « 5 » ، ولمّا بيّن دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو العادة في سائر السور قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ الآيات . قيل : كان نوح « 6 » اسمه يشكر ،

--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 23 / 91 . ( 2 ) عند قوله تعالى : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ [ النحل : 66 ] . ( 3 ) وهي قراءة أبي جعفر . المحتسب 2 / 90 ، تفسير ابن عطية 10 / 346 ، الإتحاف 318 . ( 4 ) تعالى : سقط من الأصل . ( 5 ) انظر هذه الأوجه في الفخر الرازي 23 / 91 . ( 6 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 92 .