عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
187
اللباب في علوم الكتاب
ومنها : أنّ معرفة اللّه يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية ، وإلّا لكان ذكر هذه الدلائل عبثا « 1 » . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 18 إلى 20 ] وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 ) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ( 20 ) قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ الآية ، لما استدل أولا على كمال القدرة بخلق الإنسان ، ثم استدل ثانيا بخلق السماوات ، استدلّ ثالثا بنزول الأمطار ، وكيفية تأثيرها في النبات . واعلم أنّ الماء في نفسه نعمة ، وهو مع ذلك سبب لحصول « 2 » النعم ، فلا جرم ذكره اللّه أولا ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانيا « 3 » . قال أكثر المفسرين « 4 » : إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء لظاهر الآية ، ولقوله : « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » « 5 » . وقال بعضهم : المراد بالسماء السحاب ، وسماه سماء لعلوه ، والمعنى : أنّ اللّه صعد الأجزاء المائية من قعر الأرض ، ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد ، ثم إن تلك الذرّات تأتلف وتتكون ثم ينزله اللّه على قدر الحاجة إليه ، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في « 6 » قعر الأرض ، ولا بماء البحر لملوحته ، ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض ، لأنّ البحار هي الغاية في العمق ، وهذه الوجوه التي « 7 » يتحملها من ينكر الفاعل المختار ، فأمّا من أقرّ به فلا حاجة به إلى شيء منها « 8 » . وقوله : « بقدر » قال مقاتل : بقدر ما يكفيهم للمعيشة « 9 » من الزرع والغرس والشرب ، ويسلمون معه من المضرة . وقوله : « فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ » قيل : جعلناه ثابتا في الأرض ، قال ابن عباس : أنزل اللّه تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون « 10 » وجيحون « 11 » ودجلة والفرات « 12 » والنيل « 13 » أنزلها من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل -
--> ( 1 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 88 - 89 . ( 2 ) في ب : في حصول . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 89 . ( 4 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 89 . ( 5 ) [ الذاريات : 22 ] . ( 6 ) في الأصل : من . وهو تحريف . ( 7 ) في ب : السماء . وهو تحريف . ( 8 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 89 . ( 9 ) البغوي 6 / 13 . ( 10 ) سيحون : نهر بالهند . اللسان ( سيح ) . ( 11 ) جيحون : نهر بلخ ، وهو فيعول ، قال ابن بري : يحتمل أن يكون وزن ( جيحون ) فعلون مثل زيتون وحمدون . اللسان ( جحن ) . ( 12 ) هما نهرا العراق . ( 13 ) وهو نهر مصر .