عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

176

اللباب في علوم الكتاب

الآيات المتقدمة بطريق الحث عليها والاشتغال بعبادة اللّه لا يصح إلا بعد معرفة اللّه ، لا جرم عقّبها بذكر ما يدل على وجوده ، واتصافه بصفات الجلال والوحدانية ، فذكر أنواعا من الدلائل : منها تقلب الإنسان في أدوار خلقته وهي تسعة : أولها : قوله : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ » قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل : المراد بالإنسان آدم - عليه السلام « 1 » - سلّ من كلّ تربة ، وخلقت ذريته من ماء مهين . وقيل : الإنسان اسم جنس يقع على الواحد والجميع « 2 » ، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت منيا ، وهذا مطابق لقوله تعالى : « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ » « 3 » « 4 » . قال ابن الخطيب : وفيه وجه آخر : وهو أنّ الإنسان إنما يتولد من النطفة ، وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك « 5 » إنما يتولد من الأغذية ، وهي إما حيوانية أو نباتية ، والحيوانية تنتهي إلى النباتية ، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء ، فالإنسان في الحقيقة يكون متولدا من سلالة من طين ، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت عليها أطوار الخلقة وأدوار « 6 » الفطرة صارت منيا « 7 » . ( قوله ) « 8 » : « مِنْ سُلالَةٍ » فيه وجهان : أظهرهما : أن يتعلق ب « خلقنا » « 9 » ، و « من » لابتداء الغاية « 10 » . والثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من « الإنسان » . والسّلالة ( فعالة ) ، وهو بناء يدل على القلة كالقلامة « 11 » ، وهي من سللت الشيء من الشيء أي استخرجته منه ، ومنه قولهم : هو سلالة أبيه كأنه انسلّ « 12 » من ظهره « 13 » ، وأنشد : 3782 - فجاءت به عضب الأديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين « 14 »

--> ( 1 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 2 ) في ب : والجمع . ( 3 ) [ السجدة : 7 - 8 ] . ( 4 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 84 - 85 . ( 5 ) في ب : وذاك . ( 6 ) في ب : أطوار . ( 7 ) الفخر الرازي 23 / 85 . ( 8 ) ما بين القوسين بياض في الأصل . ( 9 ) انظر التبيان 2 / 951 . ( 10 ) انظر الكشاف 3 / 44 . ( 11 ) انظر الكشاف 3 / 44 ، القلامة : ما قطع من طرف الظفر أو الحافر أو العود اللسان ( قلم ) ، المعجم الوسيط ( قلم ) . ( 12 ) في ب : النسل . ( 13 ) انظر اللسان ( سلل ) ، البحر المحيط 6 / 393 . ( 14 ) البيت من بحر الطويل قاله حسان بن ثابت ، وهو في ديوانه ( 396 ) مجاز القرآن 2 / 56 ، الطبري 18 / 16 ، تفسير ابن عطية 1 / 336 ، واللسان ( سلل ) ، القرطبي 12 / 109 ، البحر المحيط 6 / 393 ، عضب -