عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
17
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « مِنَ الْبَعْثِ » . يجوز أن يتعلق ب « رَيْبَ » ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل « رَيْبَ » « 1 » . وقرأ الحسن « البعث » بفتح العين « 2 » ، وهي لغة كالطرد والحلب في الطرد والحلب « 3 » بالسكون . قال أبو حيان : والكوفيون إسكان العين عندهم تخفيف فيما وسطه حرف حلق كالنهر والنهر ، والشعر والشعر ، والبصريون لا يقيمونه ، وما ورد من ذلك هو عندهم مما جاء فيه لغتان « 4 » « 5 » . وهذا يوهم ظاهره أن الأصل : البعث - بالفتح - وإنما خفف ، وليس الأمر كذلك وإنما محل النزاع إذا سمع الحلقي مفتوح العين هل يجوز تسكينه أم لا ؟ لا أنه كلما جاء ساكن العين من ألحقها يدعي أن أصلها بالفتح كما هو ظاهر عبارته . قوله : « فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ » أي : خلقنا أصلكم وهو آدم من تراب نظيره قوله : « كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » « 6 » وقوله : « مِنْها خَلَقْناكُمْ » « 7 » « 8 » . ويحتمل أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية ، والأغذية إما حيوان أو نبات ، وغذاء الحيوان ينتهي إلى النبات قطعا للتسلسل والنبات إنما يتولد من الأرض والماء فصح قوله : « إنا خلقناكم من تراب » « 9 » . فصل : [ في تفسير الآية : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ . . . » ] قال النووي « 10 » في التهذيب : التراب معروف ؛ والمشهور الصحيح الذي قاله الفراء والمحققون أنه جنس لا يثنى ولا يجمع « 11 » . ونقل أبو عمر الزاهد « 12 » في شرح الفصيح
--> ( 1 ) انظر التبيان 2 / 933 . ( 2 ) المختصر ( 94 ) ، البحر المحيط 6 / 352 . ( 3 ) والحلب : سقط من الأصل . ( 4 ) ذهب الكوفيون إلى أن ما كان على ( فعل ) بفتح الفاء وسكون العين وكانت عينه حرفا حلقيا جاز تحريكه بالفتح نحو الشعر والشعر والبحر والبحر لمناسبة حرف الحلق للفتح ، فجعلوا المفتوح العين فرعا لساكنها ، ورأوا هذا قياسا في كل فعل شأنه ما ذكرناه . وذهب البصريون إلى أن ما جاء من هذا فيه اللغتان تكلم به على ما جاء وما كان لم يسمع لم يجز فيه التحريك نحو وعد ، لأنك لا تقول : لك علي وعد أي : علي وعدة . معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3 / 411 ، شرح الشافية 1 / 47 . ( 5 ) البحر المحيط 6 / 352 . ( 6 ) من قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] . ( 7 ) من قوله تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [ طه : 55 ] . الفخر الرازي 23 / 8 . ( 8 ) انظر الفخر الرازي 23 / 8 . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 8 . ( 10 ) تقدم . ( 11 ) قال الرضي : ( وعند الفراء كل ما له واحد من تركيبه سواء كان اسم جمع كباقر وركب أو اسم جنس كتمر وروم ، فهو جمع وإلا فلا . وأما اسم الجمع واسم الجنس اللذان ليسا لهما واحد من لفظهما فليسا بجمع اتفاقا نحو إبل وتراب وإنما لم يجى ء لمثل تراب وخل مفرد بالتاء إذ ليس له فرد متميز عن غيره كالتفاح والتمر والجوز ) شرح الكافية 2 / 178 . ( 12 ) هو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمر الزاهد المطرز اللغوي غلام ثعلب ، ومن مصنفاته -