عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

120

اللباب في علوم الكتاب

نفسه يوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن « 1 » أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول ، قالوا : ويؤيد ذلك أنه لا خلاف أن الجن والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول ، فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول ، وعند سكوته ، فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول ، وما رأوا شخصا آخر ظن الحاضرون أنه كلام الرسول ثم هذا لا يكون قادحا في النبوة لما لم يكن فعلا له . وهذا أيضا ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم الشيطان في أثناء كلام الرسول بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاما للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول « 2 » فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع . فإن قيل : هذا الاحتمال قائم في الكل ، ولكنه لو وقع لوجب في حكمة اللّه أن يبين الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس . فالجواب لا يجب على اللّه تعالى إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات ، وإذا لم يجب على اللّه ذلك أمكن الاحتمال في الكل . الوجه الثالث : أن يقال : المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس ، وهم الكفرة فإنه عليه السلام « 3 » لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع ذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها ، فقال بعضهم : تلك الغرانيق العلا ، فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط « 4 » القوم وكثرة مباحثهم ، وطلبهم تغليطه ، وإخفاء قراءته ، ولعل ذلك في صلاته لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته ، ويسمعون قراءته ، ويلغون فيها . وقيل : إنه عليه السلام « 2 » كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات ، فألقى بعض الحاضرين ذلك « 5 » الكلام في تلك الوقفات ، فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول ، ثم أضاف اللّه ذلك إلى الشيطان ، لأنه بوسوسته يحصل أولا ، أو لأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم نفسه شيطانا . وهذا أيضا ضعيف لوجهين : أحدهما : أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول إزالة الشبهة وتصريح الحق ، وتبكيت ذلك القائل ، وإظهار أن هذه الكلمة صدرت منه ، ولو فعل ذلك لنقل ، فإن قيل : إنما لم يفعل الرسول ذلك ، لأنه كان « 6 » قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة دون هذه الزيادة « 7 » ، فلم يكن ذلك مؤديا إلى اللبس كما لم يؤد سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس .

--> ( 1 ) في ب : فيظن . ( 2 ) الرسول : سقط من ب . ( 3 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 4 ) في ب : لفظ . وهو تحريف . ( 5 ) في ب : ملك . وهو تحريف . ( 6 ) كان : سقط من الأصل . ( 7 ) في الأصل : الروايات .